تفسير الآية وسياق النزول: تبين الآية حقيقة قلوبهم الغافلة وكيدهم الخفي؛ فقلوبهم غارقة في اللهو والشهوات لا تعي حقيقة الهدى، ثم عطف على ذلك تناجيهم وتآمرهم في الخفاء لصد الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير في تفسيره (ج 5، ص 334)مصدر غير محدد٥/٣٣٤: «وقوله: {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} أي غافلة عما يراد بها، لاهية في الدنيا وزينتها وملاذها، {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي قالوا متناجين فيما بينهم: {هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستبعدون أن يكون رسولاً وهو بشر مثلهم، {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} أي أفتتبعونه فتكونون كمن يأتي السحر وهو يعلم أنه سحر؟».
المرويات في تناجي قريش: نزل ذلك في صناديد قريش كأبي جهل والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وشيبة وعتبة ابني ربيعة؛ حيث كانوا يجتمعون في دورهم وفي دار الندوة سراً يتشاورون فيما يصفون به النبي صلى الله عليه وسلم ليصدوا عنه وفود العرب وقوافل الحجيج.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المعجم اللغوي:
لاهية: اسم فاعل من لها يلهو لهواً، واللهو: صرف الهمة إلى ما لا يهم والتفرغ للملاذ العاجلة وإلغاء الواجبات.
أسروا: من الإسرار وهو إخفاء القول وإلقاؤه في خفية ونعوت السرية.
النجوى: المسارة بالحديث بين اثنين فصاعداً في موضع خفي بحيث لا يفشى للعامة.
السحر: ما خفي ولطف سببه، واستعملوه هنا في القرآن زعماً منهم أنه يسحر العقول ببيانه وفصاحته.
الإعراب التركيبي:
لَاهِيَةً: حال منصوبة من واو الجماعة في (يلعبون)، أو حال بعد حال مؤكدة.
قُلُوبُهُمْ: فاعل لاسم الفاعل (لاهية) مرفوع بالضمة، والضمير مضاف إليه؛ وجاز إعمال اسم الفاعل لاعتماده على صاحب الحال.
وَأَسَرُّوا: الواو عاطفة أو استئنافية، (أسروا) فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل على لغة مشهورة عند طائفة من العرب (لغة يتعاقبون فيكم ملائكة، وتسمى لغة أكلوني البراغيث)، أو الواو علامة جمع دالة على الفاعلين.
النَّجْوَى: مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة للتعذر.
الَّذِينَ ظَلَمُوا: فاعل صريح لـ (أسروا) على التجريد اللغوي، أو بدل من الواو في (أسروا)، أو منصوب على الذم، أو مبتدأ مؤخر وجملة أسروا خبر مقدم؛ والراجح عند جمهور المحققين كابن هشام والزمخشري والقرطبي أنه بدل من الواو للتبيين والتشنيع على ظلمهم.
أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ: الهمزة للاستفهام الإنكاري التقبيحي، والفاء عاطفة على مقدر؛ أي أتعلمون أنه بشر ثم تأتون السحر؟ و(تأتون) فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، و(السحر) مفعول به؛ وإتيان الشيء هنا مجاز عن قبوله وتصديقه.
وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ: الواو حالية، (أنتم) مبتدأ، وجملة (تبصرون) خبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإظهار في موضع الإضمار في قوله {الَّذِينَ ظَلَمُوا}: لم يقل: وأسروا النجوى قائلين، بل وضع الاسم الموصول وصلته {الَّذِينَ ظَلَمُوا} لتعليل استحقاقهم للذم، ولبيان أن هذا التناجي محض ظلم وعدوان وافتراء لا يستند إلى أثارة من عقل أو برهان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة بشرية الرسل:
تقرير الإشكال عند المشركين: قالوا: {هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}، فجعلوا المماثلة في الطبيعة البشرية (الأكل، المشي في الأسواق، الزواج) مانعاً عقلياً من اصطفاء الرسالة!
المحاكمة وتفنيد الشبهة:
الحكمة في بشرية الرسل: لو كان الرسول ملكاً لما أمكن للبشر مخالطته ولا الاقتداء به في أفعاله وعباداته؛ فالقدوة لا تتحقق إلا بمجانسة الطبيعة والقدرة على الامتثال؛ كما قال تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا} [الإسراء: 95].
التناقض العقلي عند المشركين: يرفضون عبودية بشر صادق كامل الأخلاق مؤيد بالمعجزات ليوحدوا الله، في حين يعكفون على عبادة حجارة وأصنام صماء منحوتة بأيديهم لا تملك ضراً ولا نفعاً! فأي عقل هذا الذي يستكبر عن اتباع رسول بشري ويخضع لحجر حقير؟!
تسمية الحق سحراً: عجزهم عن معارضة القرآن البياني والمعجز اضطرهم إلى حيلة نفسية مفضوحة؛ وهي رمي المعجزة بالسحر للتنفير منها وحماية أتباعهم من سطوة الإعجاز.
قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} فيها توكيد بياني؛ لأن النجوى سر بطبيعتها، وذكر (أسروا) معها يدل على المبالغة في الإخفاء وكتمان الحديث لشدة خوفهم وخزيهم.
الاستعارة في قوله: {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ}؛ حيث شبه قبول الوحي بدخول المهلكة أو الإقدام على الشرك، ونزل القرآن منزلة السحر في التأثير تعنتاً وافتراءً.
الإشارة التدبرية: كلما اشتد كيد أهل الباطل في الظلمات والسراديب لإطفاء نور الله، كان ذلك دليلاً على إفلاسهم البرهاني ورعبهم من سطوع شمس الحق في وضح النهار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فضح المؤامرات المبيتة: الدعاة إلى الله يواجهون دائماً تحالفات الكيد السري؛ فواجبهم الاعتماد على الله والاستمرار في الصدع بالحق غير مبالين بما ينسج في الغرف المغلقة.
التحذير من لهو القلب: القلب إذا لها عن الله وعن تدبر كتابه، سهل انقياده للشبهات واستزلته الشياطين بأدنى وسوسة.
تأمل نعمة الوحي: القرآن حجة باهرة ونور ساطع يبصر القلوب، فمن اتهمه بالسحر أو الزور فقد أعمى بصيرته وعطل فطرته السوية.