تفسير الآية والقانون العام للفناء والابتلاء: تقرر الآية الكريمة القانون الكوني المطلق الذي لا يستثني أحداً من الخلائق؛ فكل نفس منفوسة حية ستذوق مرارة فراق هذه الحياة ومفارقة الروح للجسد؛ ثم تبين حقيقة الحياة الدنيا؛ فهي دار ابتلاء واختبار بالشدائد والمكاره (كالمرض والفقر والخوف)، وبالنعم والمحاب (كالصحة والغنى والأمن)؛ لينظر الله من يصبر ومن يشكر، ثم المرجع والمصير الحتمي إليه وحده ليجازي كل عامل بعمله. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 452)مصدر غير محدد١٨/٤٥٢: «يقول تعالى ذكره: كل نفس منفوسة حية من خلقنا تذوق الموت، فتموت وتفنى، ونبلوكم: ونختبركم في هذه الدنيا بما يسوؤكم من الشدائد والأمراض والفقر، وبما يسركم من الرخاء والسعة والصحة، فتنة: اختباراً وابتلاءً لنرى كيف شكركم على نعمنا، وكيف صبركم على بلائنا وشدائدنا، وإلينا وحدنا مصيركم بعد مماتكم فنحاسبكم ونجازيكم».
الآثار في معنى (الشر والخير فتنة):
روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} قال: «نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة؛ لننظر كيف صبركم وشكركم».
وعن الحسن البصري ومجاهد: «نبلوكم بالشر تصبرون عليه، ونبلوكم بالخير تشكرون عليه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
النفس: الروح والذات الحية الشاعرة.
ذائقة: الذوق في الأصل إدراك الطعوم بالفم؛ واستعير هنا لإدراك ألم الموت ومفارقة الحياة وما يعقبه من سكرات.
نبلوكم: نختبركم ونمتحنكم؛ والبلوى الامتحان.
الشر: كل ما يسوء الإنسان من فقر ومرض وبلاء ومكروه.
الخير: كل ما يلائم طبع الإنسان ويسره من عافية وغنى وولد ونعمة.
فتنة: مفعول لأجله أو مصدر في موضع الحال؛ وهي الاختبار والامتحان الشديد الذي يميز الصادق من الكاذب كصهر الذهب في النار.
تُرْجَعُونَ: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة معطوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام قاعدة الوجود والمسار والمصير: جمعت الآية في ألفاظ موجزة أطوار الوجود البشري الثلاثة:
المبتدأ والحال في الدنيا: دار ابتلاء مزدوج بالضراء والسراء {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}.
وبوابة الخروج منها: الموت المحتوم على كل حي {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}.
والمنتهى والمستقر في الآخرة: المرجع والجزاء العادل عند الله وحده {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.
تقديم الشر على الخير في الابتلاء: قدم الشر {بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ}؛ لأن مساس الضر يوقظ القلوب بسرعة، ولأن غالب الناس يظنون أن الابتلاء إنما يكون بالمصائب وحدها، فنبه على أن الابتلاء بالخير والنعم والمال والمنصب أشد خطراً وأعظم انزلاقاً من الابتلاء بالشر؛ فالرخاء ينسي والفقر قد يعين على الانكسار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا الابتلاء ما دام الله يعلم ما سيكون؟:
تقرير الإشكال الفلسفي: إذا كان الله عليماً بكل شيء قبل خلقه، فلماذا يبتلي الناس بالشر والخير؟
المحاكمة العقلية والشرعية:
إقامة الحجة وظهور العمل للعيان: الابتلاء ليس ليعلم الله ما يجهله حاشاه؛ فهو يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، ولكن الابتلاء ليقع العمل في الوجود الخارجي كسباً واختياراً للعبد، فيقوم الجزاء على ما فعله العبد بيده، لا على مجرد علم الله السابق فيه؛ ليقطع الله حجة العباد على أنفسهم: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42].
تكميل النفوس واستخراج العبوديات: العبودية لا تكتمل إلا بعبودية الصبر في الضراء، وعبودية الشكر في السراء؛ فالمحن تصقل المعادن والفتن تكشف الخبايا.
التعبير بـ {ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} استعارة مكنية؛ شبه الموت بشراب مر المذاق يتجرعه كل حي، وفيه إشارة إلى أن الألم يقع بحاسة الذوق النفسية التي لا يفلت منها أحد.
الحصر والتقديم في {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} يقطع كل رجاء في ملجأ سوى الله تعالى؛ فالمرجع إليه وحده فلا مفر منه إلا إليه.
الإشارة التدبرية: يا مسكين، لا تغتر بكثرة النعم؛ فالنعمة ابتلاء مقنع بالخير كما أن المصيبة ابتلاء ظاهر بالشر؛ وكما قال سفيان الثوري: «ليس الفقيه من يعلم الخير والشر، بل الفقيه من يصبر على البلاء ويشكر عند الرخاء».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوازن النفسي بين الشكر والصبر: المؤمن يعيش بين جناحي الإيمان: الصبر عند المكاره، والشكر عند النعم؛ كما في الحديث الصحيح: «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ... إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
الاستعداد للقاء الله: استحضار الرجوع إلى الله يضبط البوصلة الأخلاقية والسلوكية ويمنع من البغي والظلم في الأرض.
تهوين مصائب الدنيا: الدنيا مزرعة والآخرة دار الحصاد؛ والموت ليس عدماً محضاً بل انتقال إلى دار الجزاء العادل.