تفسير الآية وعموم الملكية والعبودية: يقرر الله تعالى ملكيته التامة المطلقة لكل من في السماوات والأرض من إنس وجن وملائكة وحيوان وجماد؛ فالكل خلقه وعبيده ومماليكه، ثم يخص الملائكة المقربين بالذكر؛ مبيناً أنهم مع علو مكانتهم وقربهم من ربهم لا يستكبرون عن طاعته وخضوعهم له، ولا يصيبهم ملل ولا انقطاع عن عبادته. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 430)مصدر غير محدد١٨/٤٣٠: «يقول تعالى ذكره: ولله كل من في السماوات والأرض من ملك وإنس وجن، ملكاً وخلقاً وعبيداً، لا شريك له في شيء من ذلك، ومن عنده من الملائكة المقربين لا يستكبرون عن التذلل له والعبادة، ولا يتعظمون عن الخضوع لأمره، ولا يستحسرون: أي لا يعيون ولا يكلّون ولا ينقطعون عن عبادته وطاعته دائماً أبداً».
الرد على عبادة الملائكة: نزلت الآية رداً على كفار قريش وخزاعة الذين عبدوا الملائكة وقالوا: هم بنات الله ونحن نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى؛ فبين الله أن الملائكة أنفسهم عباد خاضعون مستغرقون في التسبيح لا يفترون، فكيف يُعبد العابد؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
من في السماوات والأرض: (من) للعاقل، وتغليب العقلاء على غيرهم في هذا السياق لمقام العبودية والتشريف.
من عنده: المراد بـ (العندية) عندية الرتبة والتشريف والقرب المعنوي والمكاني في الملأ الأعلى عند العرش، وليست عندية تحيز حاشا لله.
يستكبرون: الاستكبار طلب الكبر والتعالي على الحق والتأنف من الخضوع.
يستحسرون: استفعل من الحسور، والحسور هو الإعياء والكلال والتعب الشديد المفضي إلى الانقطاع؛ يقال: حسرت الدابة إذا كلّت وتعبت حتى وقفت.
عَنْ عِبَادَتِهِ: جار ومجرور متعلق بـ (يستكبرون)، والهاء مضاف إليه.
وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ: الواو عاطفة، فعل مضارع معطوف مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجمل من النفي في محل رفع خبر المبتدأ (من عنده).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة بين تمرد المشركين وخضوع الملائكة المقربين: بعد أن ذكر كفر قريش وغفلتهم ولهوهم وطلبهم الآيات، بيّن الله أنه غني عن عبادتهم؛ فإن له من في السماوات والأرض، وعنده جنود الملائكة الذين لا يفارقون العبادة ولا يتعبون منها؛ فاستكبار هؤلاء البشر الحقراء لا ينقص من ملك الله شيئاً، وإيمانهم لا يزيده شيئاً.
نفي الآفتين (الاستكبار والحسور): حصر آفات الامتناع عن العبادة في أمرين:
المانع النفسي الباطن وهو الكبر والأنفة، فنفاه بقوله: {لَا يَسْتَكْبِرُونَ}.
والمانع البدني الجسدي وهو العجز والتعب والانقطاع، فنفاه بقوله: {وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ}. فثبت للملائكة كمال الإرادة وكمال القدرة في العبادة المستمرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إثبات المكان المحسوس لله من لفظ {عِندَهُ}:
تقرير الإشكال: قد يتوهم واهم أن قوله {وَمَنْ عِندَهُ} يفيد حصر الله في مكان أو تحيزه بالجهات المخلوقة!
رد أهل السنة والمحاكمة البرهانية:
أهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى العلو المطلق اللائق بجلاله؛ علو الذات والقهر والقدر، وأنه سبحانه فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن من خلقه. والمراد بـ {عِندَهُ} عندية القرب والكرامة والمنزلة الرفيعة والاصطفاء للملائكة وحملة العرش، كما يقال: فلان عند الملك، أي في خاصته ومحل كرامته، مع إثبات علو الملأ الأعلى وفوقيتهم بالنسبة للأرض وسكانها، دون تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل.
تقديم الخبر {وَلَهُ} يفيد القصر والاختصاص؛ أي لله وحده الملكية التامة لا ينازعه فيها منازع.
التعبير بـ {عِندَهُ} فيه تشريف باهر للملائكة وتنويه بمقام قربهم وطهارتهم.
الإشارة التدبرية: إذا كان الملائكة وهم خلق عظيم ذوو أجنحة وقوى هائلة يستحيون من ربهم ويخرون له سجداً ولا يسأمون من ذكره، فما بال هذا الإنسان المخلوق من نطفة مذرة يتكبر عن السجود لربه ويثقل عليه ركيعات في جوف الليل؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استصغار العمل ونبذ العجب: مهما بلغت عبادة المسلم وطاعته، فإنه إذا تذكر عبادة الملائكة المستمرة عرف قدر نفسه وافتقاره، فلم يدخله عجب ولا غرور.
مجاهدة الفتور: المؤمن يقتدي بالملائكة في استدامة الطاعة ومحاربة الفتور؛ وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
علاج الكبر بالعبادة: الخضوع والسجود والذل لله في المحاريب هو الترياق الوحيد الذي يقتلع بذور الكبر والاستعلاء من قلوب البشر.