تفسير الآية واستغراق الملائكة في التسبيح: تفسر هذه الآية ما قبلها وتبين حقيقة عبادة الملائكة وعدم حسورهم؛ فهم في تسبيح دائم وتقديس مستمر لله تعالى في الليل والنهار على مدار الساعات واللحظات، لا يضعفون ولا يسأمون ولا ينقطعون عن الذكر. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 431)مصدر غير محدد١٨/٤٣١: «يقول تعالى ذكره: يسبح هؤلاء الذين عند ربهم من الملائكة ربهم الليل والنهار كلهما، لا يفترون عن تسبيحه وتقديسه؛ أي لا يضعفون ولا يسأمون ولا يملّون».
الأحاديث والآثار النبوية في عبادة الملائكة:
روى الترمذي (رقم 2312)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣١٢ وحسنه، وابن ماجه (رقم 4190)مصدر غير محددحديث رقم ٤١٩٠ والحاكم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا...».
وروى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد والطبري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «إن في السماوات لسماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك ساجد، أو قدماه قائم، ثم تلا: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ}، فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
يسبحون: التسبيح في اللغة: التنزيه والتقديس وتبرئة الله من كل نقص وعيب وسوء؛ وأصله من السبح وهو المرور السريع في الماء أو الهواء، فالمسبح مسرع في تنزيه الله وطاعته.
الليل والنهار: ظرفان مستغرقان للزمن كله، فلا يخلو وقت من أوقاتهم من التسبيح.
لا يفترون: الفتور هو السكون بعد حركة، والضعف بعد قوة، واللين بعد شدة؛ يقال: فتر الماء إذا سكنت حرارته، وفتر الرجل إذا ضعف وكسل.
الإعراب التركيبي:
يُسَبِّحُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو ضمير متصل فاعل؛ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان لـ (من عنده) أو بدل من جملة (لا يستكبرون)، أو حال مؤكدة.
اللَّيْلَ: ظرف زمان منصوب على الظرفية لتضمين معنى الاستغراق؛ أي في الليل كله.
وَالنَّهَارَ: معطوف على (الليل) منصوب بالفتحة؛ والجمع بينهما يفيد استيعاب الدهر وسائر الأوقات.
لَا يَفْتُرُونَ: (لا) نافية، و(يفترون) فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ضمير الفاعل في (يسبحون)؛ والمعنى: يسبحون غير فاترين ولا منقطعين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البيان التفسيري المكمل للآية السابقة: الآية التاسعة عشرة نفت المانع (لا يستحسرون)، وهذه الآية أثبتت الفعل الدائم بالصورة الإيجابية العملية: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ}، فجمعت بين نفي الآفة وإثبات العمل المستمر المستغرق للزمان.
تقديم التسبيح على سائر العبادات: اختار لفظ (التسبيح) لأنه جوهر عبودية الملأ الأعلى وقوام حياتهم، ولأنه أنسب أشكال العبادة لرد مزاعم المشركين الذين نسبوا النقائص والشريك إلى الله؛ فبين أن عمار السماوات ينزهون الله على الدوام عما يصفه به جهلة الأرض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التساؤل عن كيفية تسبيحهم الدائم مع قيامهم بوظائفهم الكونية الأخرى:
تقرير الإشكال: كيف يسبح الملائكة الليل والنهار بلا فتور ولا انقطاع، وهم موكلون بوظائف كبرى كالنزول بالوحي (جبريل)، وقبض الأرواح (ملك الموت)، وسوق السحاب (ميكائيل)، وحفظ الأعمال والنفخ في الصور؟
المحاكمة والجواب التحقيقي:
التسبيح للملائكة كالنَّفَس للبشر: سئل ابن عباس وغيره من السلف عن ذلك فقالوا: «ألهموا التسبيح كما ألهمتم النَّفَس؛ فهل يشغلكم التَّنَفُّسُ عن الكلام والعمل والمشي؟!». فالتسبيح جبلة وطبيعة وغذاء لأرواح الملائكة يجري مع حركاتهم وسكناتهم دون تكلف ولا كلفة، فلا يعطلهم عن أداء مهماتهم بل يمدهم بالقوة والنور.
طبيعة الخلق الملائكي: الملائكة خلقوا من نور، ليست لهم شهوات أرضية ولا احتياجات فسيولوجية من أكل وشرب ونوم تشغلهم، فقواهم روحانية مهيأة للعبادة المطلقة وتنفيذ أوامر الله: {لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
الطباق بين {اللَّيْلَ} و{النَّهَارَ} لاستيعاب سائر الساعات واللحظات الكونية.
إتباع الفعل المضارع {يُسَبِّحُونَ} الدال على التجدد والحدوث بحال النفي {لَا يَفْتُرُونَ} لتأكيد الديمومة والاستمرار ونفي أي عارض من عوارض الكسل أو الانقطاع.
الإشارة التدبرية: ما أجمل أن يتشبه العبد بالملائكة فيكثر من تسبيح ربه؛ فإن لسان المسبح يسبح في بحار الأنوار، والذكر منشور الولاية وأعظم زاد في السير إلى الله تعالى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فضل التسبيح والتحميد: التسبيح أحب الكلام إلى الله؛ قال صلى الله عليه وسلم: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ» (متفق عليه).
محاربة فترات الغفلة: على المسلم أن يجعل لروحه نصيباً دائماً من الذكر في الصباح والمساء وأدبار الصلوات؛ فإن القلب إذا خلا من الذكر غشيته ظلمة الغفلة وقسوة الذنوب.
التوافق مع السيمفونية الكونية: حين يسبح المؤمن ربه فإنه يتناغم مع الملائكة المقربين ومع سائر الكائنات في السماوات والأرض التي تسبح بحمد ربها ولكن لا نفقه تسبيحهم.