تفسير الآية والآيات الكونية الكبرى: يستدل الحق سبحانه وتعالى على كمال قدرته ووحدانيته وبطلان الشرك بآيتين كونيتين عظيمتين تشهدان بعظمة الصانع؛ الأولى: فتق السماوات والأرض بعد أن كانتا رتقاً ملتصقتين، والثانية: جعل الماء مادة الحياة وأصل كل كائن حي في هذا الوجود. قال الإمام الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 442)مصدر غير محدد١٨/٤٤٢: «يقول تعالى ذكره: أولم ير هؤلاء الذين جحدوا توحيد الله وعبدوا الأصنام، فيعلموا ويعاينوا ببصائر عقولهم أن السماوات والأرض كانتا رتقاً؛ أي ملتصقتين منضمتين لا فرجة بينهما ولا فضاء، ففتقناهما: ففصلنا بينهما ورفعنا السماء إلى حيث هي وبسطنا الأرض، وجعلنا من الماء الذي ينزل من السماء وينبع من الأرض كل شيء حي من حيوان ونبات وشجر؛ أفلا يصدقون بوحدانية من فعل ذلك وقدر عليه فيفردوه بالعبادة؟!».
أقوال السلف في الرتق والفتق:
روى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك: «كانتا رتقاً: أي كانت السماء رتقاً ملتصقة بالأرض ففتق الله بينهما بالهواء والفضاء».
وعن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة أيضاً: «كانت السماء رتقاً لا تمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، وفتق الأرض بالنبات والشجر».
والقولان متلازمان وكلاهما حق في قدرة الله تعالى؛ فابتدأ فتقهما بالفصل والرفع، ثم فتقهما بالإمطار والإنبات.
جعل الماء أصلاً للحياة: قال قتادة: «كل شيء حي خلق من الماء، وجعل قوام حياته بالماء». وروى أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أنبئني عن كل شيء؟ قال: «كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الرتق: ضد الفتق، وهو الالتئام والانضمام والالتحام بحيث يصير الشيئان شيئاً واحداً مصمتاً؛ ورتقت الفتق إذا خاطبته ولاأمته.
الفتق: شق الشيء وفصله وإبانة بعضه عن بعض بعد الالتئام.
الماء: الجوهر السيال المعروف، وهو قوام البنية الحيوية للأحياء.
الإعراب التركيبي:
أَوَلَمْ: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والواو عاطفة على مقدر؛ أي: أغفلوا ولم يروا؟ و(لم) حرف نفي وجزم وقلب.
يَرَ: فعل مضارع مجزوم بـ (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الألف)، والرؤية هنا علمية قلبية تتعدى لمفعولين سد المصدر المؤول مسدهما، أو بصرية معنوية.
الَّذِينَ: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل لـ (ير).
كَفَرُوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
أَنَّ: حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل.
السَّمَاوَاتِ: اسم أن منصوب بالكسرة الظاهرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
وَالْأَرْضَ: معطوف على السماوات منصوب بالفتحة الظاهرة.
كَانَتَا: فعل ماض ناقص مبني على الفتح، وألف الاثنين ضمير متصل مبني في محل رفع اسمها (وثُنّي الضمير لأن المذكور صنفان: صنف السماوات وصنف الأرض).
رَتْقًا: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة، وأفرد لأنه مصدر، والمصدر يوصف به الواحد والاثنان والجمع؛ أو على تأويل: ذواتي رتق. وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر (أنّ)، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي (ير).
فَفَتَقْنَاهُمَا: الفاء عاطفة للترتيب والتعقيب، وفعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، وهما مفعول به.
وَجَعَلْنَا: الواو عاطفة، فعل ماض وفاعله.
مِنَ الْمَاءِ: جار ومجرور متعلق بـ (جعلنا) أو بمحذوف حال من المفعول به إذا كانت جعل بمعنى خلق، أو هو المفعول الثاني إذا كانت جعل للتصيير.
كُلَّ: مفعول به لـ (جعلنا) منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من الأدلة العقلية الجدلية إلى المشاهد الكونية العيانية: بعد أن حاججهم ببرهان التمانع ونفي العبث، نقلهم إلى النظر في كتاب الكون المفتوح الذي يشاهدونه بأعينهم؛ ليدركوا أن القادر على فتق السماوات وإخراج الماء وإنشاء الأحياء هو وحده المستحق للألوهية، والقادر على بعث الموتى.
التوافق بين نشأة الوجود ونشأة الحياة: ربط النظم القرآني بين نشأة الأجرام الكونية (السماوات والأرض) ونشأة الحياة البيولوجية (الماء والأحياء) في نسق واحد؛ لبيان وحدة التدبير الإلهي المحيط بالجماد والأحياء على السواء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يُسأل الكفار عما لم يشهدوه بقوله {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا}؟:
تقرير الإشكال: كيف يقول: {أَوَلَمْ يَرَ} وفصل السماوات والأرض حدث قبل خلق الإنسان بآلاف السنين؟
المحاكمة وتفنيد الإشكال:
الرؤية العلمية العقلية المستندة للدلائل: الرؤية في لغة القرآن تتسع للرؤية القلبية العقلية واليقينية؛ فآثار الفتق قائمة مشهودة (سماء مرتفعة وأرض مبسوطة وفضاء متسع)، فالعقل يرى ذلك بالاستدلال البرهاني كما تراه العين.
رؤية نزول المطر وخروج النبات: على تفسير ابن عباس الثاني: فكل إنسان يرى بعين رأسه سماء جافة تنفتح بالمطر، وأرضاً جرداء صلبة ترتق فتنشق بالخضرة والنبات: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج: 5].
التوافق المذهل مع العلوم الحديثة: اتفقت النظريات الكونية والفيزيائية والبيولوجية الحديثة على أن الكون كان كتلة غازية واحدة متناهية الصغر والكثافة ثم حدث التوسع والانفتاق الكوني، وأن السيتوبلازم والخلية الحية تتكون بنسبة تزيد على 80% من الماء، ولا توجد حياة بيولوجية على أي كوكب دون ماء؛ وهذا إعجاز قرآني باهر نطق به الوحي قبل أربعة عشر قرناً.
الطباق البديع بين {رَتْقًا} و{فَفَتَقْنَاهُمَا}؛ فالرتق يقابله الفتق، وفي ذلك تصوير للقوة الإلهية القادرة على شق المصمت وفصل الملتحم.
التعبير بـ {كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} يفيد العموم الاستغراقي المطلق لكل صور الحياة، مما يشعر بربوبية الله المنفردة بالإحياء.
الإشارة التدبرية: كما فتق الله الأرض الميتة بالماء فأنبتت، فإنه سبحانه يفتق القلوب الميتة القاسية بماء الوحي والقرآن فتحيا بنور الإيمان؛ فاستمطر لقلبك غيث الآيات ليزكو ويثمر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوة من خلال التدبر الكوني: توجيه العقول والشباب للتفكر في عظمة خلق الكون وتناسق قوانينه؛ فإن العلم التجريبي النافع يقود البصيرة الحية إلى الإيمان بالخالق العظيم.
شكر نعمة الماء والمحافظة عليها: الماء عصب الحياة وسر بقائها؛ فشكره بطاعة المنعم وحسن استعماله وترشيده وعدم الإسراف فيه.
بناء اليقين في القلوب: إذا رأى العبد قطرة المطر تنزل من السماء فيخضر بها الشجر، أيقن بقدرة الله على بعث الأجساد من القبور كما تخرج النباتات من التراب.