تفسير الآية واستهزاء المشركين: يخبر الله تعالى عن سوء معاملة كفار قريش لنبيه صلى الله عليه وسلم حين يرونه؛ فهم لا يقابلونه بالإنصاف والنظر في براهينه، بل يتخذونه سخرية وهزءاً مشيرين إليه باحتقار قائلين: أهذا الرجل الضعيف الذي يسب آلهتكم ويعيبها؟! ثم يفضح الله تناقضهم المخزي؛ فهم يغضبون لذكر أصنامهم الحجرية بالعيب، بينما هم يكفرون بالرحمن الخالق المنعم ويجحدون وحيه ونعمه! قال الإمام الطبري (ج 18، ص 453)مصدر غير محدد١٨/٤٥٣: «يقول تعالى ذكره: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المشركون بربهم، ما يصنعون بك إلا أن يتخذوك هزءاً يسخرون منك ويشيرون إليك بأصابعهم قائلين: أهذا الذي يعيب آلهتكم ويذكرها بالسوء؟! يقول الله منكراً عليهم: وهم مع غضبهم لآلهتهم من الأحجار التي لا تنفع ولا تضر، بذكر الرحمن الذي خلقهم ورزقهم ونعمته عليهم تترى، هم كافرون جاحدون مستكبرون! فما أعظم جهلهم وأقبح عقولهم!».
سبب النزول: روى ابن أبي حاتم عن السدي قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي جهل وأبي سفيان بن حرب وهما يتحدثان، فلما رأياه قال أبو جهل مستهزئاً: هذا نبي بني عبد مناف! فغضب أبو سفيان، فسمعهما النبي صلى الله عليه وسلم، فوقف وقرعهما ووبخهما، فأنزل الله هذه الآية».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
هزواً: السخرية والاستخفاف والضحك بالاستحقار.
يذكر آلهتكم: الذكر هنا مستعمل في عيب الآلهة وذمها والطعن فيها؛ كقولك: فلان يذكر الناس، أي يغتابهم ويذمهم.
كافرون: جاحدون لنعمة الرحمن ومنكرون لتوحيده.
الإعراب التركيبي:
وَإِذَا: الواو استئنافية، (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
رَآكَ: فعل ماض مبني على الفتح المقدر، والفاعل ضمير يعود على (الذين)، والكاف مفعول به.
الَّذِينَ: اسم موصول فاعل مرفوع بالضمة المقدرة.
كَفَرُوا: فعل ماض وفاعله صلة الموصول، والجملة في محل جر بالإضافة لـ (إذا).
إِن: نافية مهملة بمعنى (ما).
يَتَّخِذُونَكَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والكاف مفعول به أول في محل نصب.
إِلَّا: أداة حصر ملغاة.
هُزُوًا: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة؛ وجملة (إن يتخذونك...) جواب الشرط لا محل لها من الإعراب.
أَهَٰذَا: الهمزة للاستفهام الإنكاري التحقيري، و(هذا) اسم إشارة مبتدأ.
الَّذِي: اسم موصول خبر المبتدأ مبني على السكون في محل رفع.
يَذْكُرُ: فعل مضارع مرفوع، والفاعل هو، وصلة الموصول لا محل لها.
آلِهَتَكُمْ: مفعول به لـ (يذكر) منصوب، والكاف مضاف إليه؛ والجملة مقول قول محذوف؛ أي يقولون: أهذا الذي يذكر آلهتكم؟
وَهُم: الواو حالية، (هم) ضمير منفصل مبتدأ.
بِذِكْرِ: جار ومجرور متعلق بـ (كافرون)، وهو مضاف.
الرَّحْمَٰنِ: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
هُمْ: ضمير فصل أو مبتدأ ثان أو تأكيد للضمير الأول.
كَافِرُونَ: خبر المبتدأ مرفوع بالواو؛ والجملة الاسمية في محل نصب حال تقبيحية لشنعة تناقضهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز المفارقة التناقضية الصادمة: بني النظم القرآني على موازنة فاضحة بين أمرين يظهران انتكاس العقل الجاهلي:
غيرة مفرطة وحمية عمياء لأحجار صماء لا تملك نفعاً ولا ضراً لمجرد أن ذكرت بحقيقتها وعيبت {أَهَٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ}.
تكرار ضمير الغائب {هُمْ}: تكرار (هم) مرتين في جملة الحال {وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ هُمْ كَافِرُونَ} لتوكيد هذا الوصف القبيح فيهم وحصر الكفر الشنيع في سلوكهم الملتوي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاستهزاء بالمصلحين كوسيلة لإسقاط دعوتهم:
تقرير السلاح النفسي لأهل الباطل: يعمد الطغاة والمشركون إلى السخرية والتهكم والاستصغار {أَهَٰذَا الَّذِي...} للتغطية على عجزهم البرهاني ولإيهام الجماهير أن المصلح شخص تافه لا يستحق النقاش!
المحاكمة وتفنيد الشبهة:
الاستهزاء سلاح العاجز المفلس؛ فالواثق بحجته يقارع الحجة بالحجة ويبين عوار الفكرة بالدليل. والقرآن يفضح هذا الهروب النفسي ببيان أن علة استهزائهم ليست تفاهة النبي المعظم صلى الله عليه وسلم، بل هي حميتهم للأصنام وانسلاخهم من تعظيم الرحمن؛ فمن سخر من الحق كشف عن صغر عقله وسفاهة رأيه.
اسم الإشارة للقريب {أَهَٰذَا} يحمل في طياته دلالة التحقير والاستصغار العرفي؛ كأنهم يستكثرون أن يكون هذا الرجل مبعوثاً للنبوة.
الكناية بـ {يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} عن الطعن والشتم والعيب؛ لأن مجرد ذكرها بحقيقتها كأحجار يعد ذماً لها في أعينهم.
استحضار اسم {الرَّحْمَٰنِ} في مقام جحودهم لبيان عظيم لؤمهم؛ إذ قابلوا سعة الرحمة بالكفر والجحود.
الإشارة التدبرية: كل من غضب لحزبه أو طائفته أو هواه أكثر من غضبه لمحارم الله وتوحيده فقد تشبه بهؤلاء المشركين في تقديم التافه على جلال الرحمن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات أمام السخرية والاستهزاء: السخرية ضريبة يدفعها كل مصلح؛ فليعلم الداعية أن نبيه صلى الله عليه وسلم قيل فيه: أهذا الذي يذكر آلهتكم؟ فصبر وظفر ورُفع ذكره وسقطت أصنامهم تحت قدميه.
تجريد الغيرة لله ورسوله: المسلم الحق يغار لحرمات الله وشريعته، ولا ينتصر لنفسه ولا لعصبيته.
مواجهة الحرب النفسية باليقين: الاستعلاء بالإيمان والتمسك بالقرآن يكسر شوكة الساخرين ويجعل استهزاءهم حسرة في صدورهم.