تفسير الآية وسياق النزول: تعود الآية للرد على شبهتهم الأولى التي تناجوا بها: {هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}، فبين الله تعالى أن سنته المطردة في إرسال الرسل لم تكن بإرسال ملائكة، بل كان جميع الرسل السابقين رجالاً من البشر يوحى إليهم. قال ابن كثير (ج 5، ص 336)مصدر غير محدد٥/٣٣٦: «يقول تعالى راداً على من أنكر رسالة البشر: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ} أي لم نرسل قبلك ملائكة، بل كانوا رجالاً من بني آدم، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ} [يوسف: 109]. {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} أي سلوا أهل الكتب الماضية كالتوراة والإنجيل، هل كان الرسل الذين بعثوا إليهم بشراً أم ملائكة؟ فإن كنتم لا تعلمون فإنهم يعلمون ذلك متواتراً عندهم».
المراد بـ (أهل الذكر):
قال مجاهد وقتادة وابن عباس: هم أهل الكتب السالفة من اليهود والنصارى؛ لأن قريشاً كانت تقر بفضلهم في العلم وتستفتيهم في الأمور الكبرى.
وقال سفيان الثوري وجمهور الفقهاء: اللفظ عام وإن كان السبب خاصاً، فـ (أهل الذكر) هم أهل العلم بالقرآن والسنة والشريعة في كل عصر ومصر، فتكون الآية أصلاً محكماً في وجوب رجوع العامي إلى العالم وتقليد المجتهد عند العجز عن الاجتهاد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
رجالاً: جمع رجل، وهو الذكر من بني آدم بعد البلوغ، والتقييد به يدل على أن النبوة خاصة بالذكور دون الإناث.
نوحي إليهم: الوحي هو الإلقاء الخفي السريع في النفس بأمر من الله على وجه الإعجاز.
الذكر: الكتاب والعلم والشرف؛ والذكر هنا الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، أو العلم الإلهي المنزل.
الإعراب التركيبي:
وَمَا: الواو استئنافية، (ما) نافية مهملة.
أَرْسَلْنَا: فعل ماض وفاعله.
قَبْلَكَ: ظرف زمان منصوب متعلق بـ (أرسلنا)، والكاف مضاف إليه.
إِلَّا: أداة حصر واستثناء ملغاة.
رِجَالًا: مفعول به لـ (أرسلنا) منصوب بالفتحة الظاهرة.
نُّوحِي إِلَيْهِمْ: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة للثقل، والفاعل نحن، و(إليهم) متعلق بـ (نوحي)؛ والجملة الفعلية في محل نصب نعت لـ (رجالاً).
فَاسْأَلُوا: الفاء فصيحة، و(اسألوا) فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
أَهْلَ الذِّكْرِ: مفعول به منصوب، و(الذكر) مضاف إليه مجرور بالكسرة.
إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ: (إن) شرطية جازمة، (كنتم) فعل ماض ناقص مبني في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها، وجملة (لا تعلمون) في محل نصب خبر كان، وجواب الشرط محذوف تقديره: فاسألوهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحالة الخصم على شهادة الخبير المحايد: هذا من أعظم أساليب الجدل والمحاكمة البرهانية في القرآن؛ إذ أحال مشركي قريش على أهل الكتاب المقيمين بيثرب ونجران والشام، وهم أصحاب تاريخ كتابي عريق، ليعلموا أن دعوى ضرورة كون الرسول ملكاً دعوى باطلة ينسفها التاريخ الديني للبشرية جمعاء.
التقييد بالرجولية والوحي: جمع بين وصفي {رِجَالًا} و{نُّوحِي إِلَيْهِمْ}؛ فالأول يثبت المشاركة في الجنس البشري والقدرة على الخطاب، والثاني يثبت الخصوصية الإلهية بالاصطفاء والوحي والعصمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نبوة النساء عند من ذهب إليها:
تقرير المسألة: ذهب طائفة قليلة كأبي الحسن الأشعري وابن حزم إلى القول بنبوة بعض النساء كمريم وآسية وأم موسى، مستدلين بإيحاء الله إليهن واصطفائهن.
رد جمهور المحققين (أهل السنة والجماعة):
استدل الجمهور بهذه الآية الكريمة {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا} المحلاة بالحصر {مَا ... إِلَّا}، وبقوله في يوسف: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ}، على أن النبوة والرسالة خاصة بالرجال؛ لأن مهام النبوة من ملاقاة الجماهير، ومنازلة الأعداء، والجهاد، والإمامة العامة، وتكاليف البلاغ، تقتضي كمال القوة والجلد والمخالطة التي لا تتأتى للمرأة لخصوصية تكوينها وسترها، وأما ما ورد في شأن مريم فهو الصديقية العليا والكرامة لا النبوة التشريعية، كما قال تعالى: {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} [المائدة: 75].