تفسير الآية وجريان الأفلاك والآيات الزمانية: يواصل الحق سبحانه بيان آياته الكونية المنظورة؛ فهو الذي خلق الليل لراحة الأبدان والسكينة، وخلق النهار للانتشار وطلب المعاش، وخلق الشمس والقمر لتعاقب الفصول وحساب السنين والأيام، وكل هذه الأجرام والأفلاك تجري وتدور في مداراتها المحددة لها بحساب دقيق وسرعة منتظمة كأنها تسبح في لجة فضاء عظيم. قال الإمام ابن جرير الطبري (ج 18، ص 449)مصدر غير محدد١٨/٤٤٩: «يقول تعالى ذكره: والله الذي خلق لكم الليل لتسكنوا فيه، والنهار لتبتغوا فيه من فضله، والشمس سراجاً وهاجاً ونوراً، والقمر ضياءً بحساب، كل ذلك في فلك يسبحون؛ يعني الشمس والقمر والنجوم في فلك تدور وتجري كجري السابح في الماء، والفلك عند العرب: هو كل شيء مستدير كفلكة المغزل، وهو المدار المستدير الذي تجري فيه هذه الأجرام السماوية».
الآثار في معنى (فلك يسبحون):
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الفلك: فلكة كفلكة المغزل يدور بها؛ ويسبحون: يجرون ويدورون في مداراتهم كما يسبح السابح في لجة الماء».
وعن قتادة ومجاهد والضحاك: «الفلك هو المدار الدائر في السماء بين السماء والأرض الذي تدور فيه النجوم والشمس والقمر».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الفلك: في لغة العرب كل شيء استدار واستدارت حركته؛ ومنه فلكة المغزل لاستدارتها، وفلكة الخيمة، وفلك البحر موجه المستدير.
يسبحون: السباحة في الأصل: العوم في الماء والمرور السريع فيه بانسياب؛ واستعير هنا لمرور الأجرام السماوية وجريانها السريع الانسيابي في الفضاء الأثيري.
الإعراب التركيبي:
وَهُوَ: الواو استئنافية أو عاطفة، (هو) ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
الَّذِي: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ.
خَلَقَ: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر يعود عليه سبحانه، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
كُلٌّ: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، والتنوين فيه تنوين عوض عن مضاف إليه محذوف تقديره: كل واحد من الشمس والقمر والنجوم.
فِي فَلَكٍ: جار ومجرور متعلق بالخبر (يسبحون).
يَسْبَحُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو ضمير متصل فاعل عائد على الأجرام المنزلة منزلة العقلاء؛ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ (كلّ)، والجملة الاسمية استئناف بياني أو حالية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام الدورة الفلكية والحركية للكون: بعد أن وصف السقف المحفوظ الثابت، انتقل إلى الحركة الدائبة داخله؛ فالكون ليس ساكناً جامداً، بل يزخر بحركة دائبة سريعة منسجمة: ليل يعقبه نهار، وشمس وقمر يتعاقبان في أفلاكهما لا يسبق أحدهما الآخر، ولا يختل توازنهما طرفة عين.
معاملة الأجرام معاملة العقلاء في {يَسْبَحُونَ}: لم يقل (تسبح) بالتاء أو النون لغير العاقل، بل أتى بواو الجماعة المختصة بالعقلاء الذكور؛ للدلالة على أنها بحركتها المنتظمة وانقيادها التام لأمر الله تشبه العقلاء المطيعين لأمر ربهم الخاضعين لسلطانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة فلكية حول حركة الشمس والأجرام (الإعجاز الفلكي المذهل):
تقرير التحدي الفلكي القديم والحديث: ساد في العصور القديمة أن الأرض ثابتة وأن الشمس تدور حولها، ثم جاءت نظريات زعمت أن الشمس ثابتة في مركز المجموعة الشمسية؛ فجاء القرآن ليقرر الحقيقة المطلقة: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}!
الحقائق الفلكية المعاصرة:
أثبتت علوم الفضاء الحديثة بالرصد الدقيق أن الشمس ليست ثابتة على الإطلاق، بل تجري وتسبح في مدار بيضاوي هائل حول مركز مجرة درب التبانة بسرعة هائلة تقدر بنحو 220 كيلومتراً في الثانية، والقمر يسبح في فلكه حول الأرض، والأرض تسبح حول الشمس، وكل جرم ومجرة في هذا الفضاء تسبح في مدار فلكي خاص بها؛ وهذا تطابق إعجازي مدهش مع لفظ القرآن الكريم {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}.
استعارة لفظ {يَسْبَحُونَ} لحركة الكواكب في الفضاء تمثل قمة التصوير البياني؛ حيث يصور الفضاء الكوني الواسع كبحر لجي خفي تطفو فيه هذه الكرات الضخمة وتنساب انسياب السابح الماهر بلا اصطدام ولا احتكاك مفسد.
تنكير {فَلَكٍ} يفيد التعظيم والاتساع؛ أي في مدار عظيم مقدر غاية التقدير.
الإشارة التدبرية: هذا الكون الهائل بأجرامه ومجراته يسبح في طاعة ربه خاضعاً لقضائه وقدره؛ فما بال هذا الإنسان الصغير يشذ عن هذا الموكب الكوني المسبح فيعصي ربه وخالقه؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تنظيم الحياة والوقت: تعاقب الليل والنهار وحساب الشمس والقمر يعلم المسلم الانضباط الزمني وقيمة الوقت ودقة التخطيط في الحياة والعبادة.
تعظيم الإله القادر العليم: رؤية شروق الشمس وغروب القمر توقظ في الوجدان عظمة الصانع الذي أحسن كل شيء خلقه.
الانسجام مع نواميس الكون: المؤمن يجد في عبادته وطاعته تناغماً كاملاً مع حركة الأفلاك السابحة؛ فالكل خاضع للواحد القهار.