تفسير الآية وتثبيت الأرض بالرواسي وشق الطرق: يخبر الله تعالى عن نعمه الجليلة في تهيئة الأرض لسكنى الآدميين وتيسير معاشهم؛ فثبت الأرض بجبال ثوابت عظام أوتاداً لئلا تضطرب وتتحرك بهم فيعجزوا عن الاستقرار عليها، وشق في تلك الجبال والتضاريس مسالك وطرقاً واسعة متباعدة ليسلكوها في أسفارهم وتنقلاتهم. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 446)مصدر غير محدد١٨/٤٤٦: «يقول تعالى ذكره: وخلقنا في الأرض جبالاً ثوابت راسية كراهة أن تميد بهم؛ أي لئلا تميل بهم وتكفأ وتضطرب، وجعلنا في تلك الرواسي فجاجاً؛ يعني مسالك وطرقاً واسعة واسعة بين الجبال، سبلاً: يسلكونها ويهتدون بها إلى مقاصدهم في بلدانهم وأسفارهم، لعلهم يهتدون إلى الحق بتدبرهم هذه النعم والتفكر في قدرة منعمها».
الآثار في معنى (أن تميد وفجاجاً): قال قتادة وابن عباس ومجاهد: «أن تميد بهم: أي لئلا تتحرك بهم وتميل فتفسد معايشهم؛ والرواسي: الجبال الثوابت المرتفعة؛ وفجاجاً: الفج هو الطريق الواسع الواصل بين جبلين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
رواسي: جمع راسية، من رسا الشيء يرسو إذا ثبت واستقر ثباتاً مكيناً؛ والرواسي هي الجبال الثابتة الراسخة الراسية أصولها في باطن الأرض.
تميد: ماد يميد ميداً إذا تحرك واضطرب وتكفأ ومال يمنة ويسرة؛ كحركة السفينة في تلاطم الأمواج.
فجاجاً: جمع فج، وهو الطريق الواسع بين جبلين أو الشق المتسع في الأرض.
سبلاً: جمع سبيل، وهو الطريق الموطأ السهل المسلوك.
الإعراب التركيبي:
وَجَعَلْنَا: الواو عاطفة، وفعل ماض وفاعله.
فِي الْأَرْضِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من (رواسي) أو بالفعل (جعلنا).
رَوَاسِيَ: مفعول به أول لـ (جعلنا) منصوب بالفتحة الظاهرة (وهو جمع لا ينون لمنعه من الصرف على صيغة منتهى الجموع).
أَن تَمِيدَ: (أن) مصدرية ناصبة، و(تميد) فعل مضارع منصوب بالفتحة، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هي يعود على الأرض، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول لأجله بتقدير كراهة أن تميد، أو في محل جر بحرف جر محذوف؛ أي: لئلا تميد بهم أو من أن تميد بهم.
بِهِمْ: جار ومجرور متعلق بـ (تميد).
وَجَعَلْنَا: الواو عاطفة، فعل ماض وفاعله.
فِيهَا: جار ومجرور متعلق بـ (جعلنا)، والضمير يعود على الأرض أو الرواسي.
فِجَاجًا: مفعول به أول أو حال منصوبة بالفتحة الظاهرة.
سُبُلًا: بدل من (فجاجاً) أو مفعول ثان منصوب بالفتحة الظاهرة.
لَعَلَّهُمْ: (لعل) حرف ترج وتعليل ونصب، والضمير اسمها.
يَهْتَدُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر لعل؛ والمعنى: ليهتدوا بها في أسفارهم، أو ليهتدوا إلى توحيد خالقها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام خلق الأرض وتسخيرها في خدمة الإنسان: بعد أن ذكر خلق الأرض المفتوقة وتفجير مائها، ذكر كيفية تثبيتها وتهيئتها للعمران؛ فالأرض قشرة صلبة تطفو فوق باطن منصهر، فجعل الله الجبال رواسي تحفظ توازنها، ولما كانت الجبال الشاهقة قد تصبح حواجز تمنع التواصل بين البشر، جعل الله فيها فجاجاً وممرات طبيعية ليسهل التنقل؛ فجمع بين التثبيت والتيسير.
الجمع بين الهداية الحسية والهداية العقدية المعنوية: ختم الآية بقوله: {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}؛ وهو لفظ جامع لهدايتين:
هداية حسية لمعالم الطرق في الأسفار والمسالك.
وهداية قلبية عقلية إلى معرفة الإله الواحد المقتدر الحكيم من خلال التفكر في هذه المعالم الرائعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وظيفة الجبال في استقرار القشرة الأرضية:
تقرير الإعجاز الجيولوجي وتفنيد الطعون: كان القدماء يرون الجبال مجرد كتل صخرية بارزة على السطح، فكيف قال القرآن: {أَن تَمِيدَ بِهِمْ} وجعلها أوتاداً مانعة للاضطراب؟
الحقائق العلمية والبرهان:
أثبت علم الجيولوجيا الحديث ونظرية الصفائح التكتونية أن الجبال لها جذور ضخمة تمتد في باطن الأرض والستار الصخري بأعماق تصل إلى أضعاف ارتفاعها الخارجي (كنظرية توازن القشرة الأرضية الإيزوستاتية)، ووظيفة هذه الجذور تثبيت ألواح القشرة الأرضية ومنع انزلاقها المفرط واضطرابها؛ مما يؤكد دقة التعبير القرآني {رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ} بصورة علمية قاطعة.
الجمع بين {فِجَاجًا} و{سُبُلًا}؛ فالأول يصف اتساع الشق بين الجبال، والثاني يصف سهولة سلوكها وقابليتها للمشي والاهتداء.
المقابلة اللطيفة بين ثبات الجبال وسكونها، وحركة البشر السالكة في فجاجها؛ فالثبات لسلامة القرار، والحركة لتحصيل المعاش.
الإشارة التدبرية: كما جعل الله في جبال الأرض الوعرة فجاجاً ومخارج يسلكها السائرون، فإنه سبحانه يجعل للعبد المؤمن في وعورات الحياة وأزماتها ومضائقها سبلاً للفرج والنجاة إذا اتقى ربه: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2].
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار نعم الله المسخرة: التأمل في هدوء الأرض واستقرارها؛ فلولا هذه الرواسي لكانت الأرض كالسفينة المائجة التي يتقيأ ركابها ويهلكون.
الربط الدائم بين المحسوس والمعقول: الداعية الموفق يستثمر معالم الطبيعة وجمالها وسهولها وجبالها ليربط قلوب السائرين برب العالمين وهدايته المستقيمة.
السعي في الأرض بالسلام والإصلاح: تيسير السبل نعمة تقتضي نشر العدل وتسهيل حوائج الناس وبناء العمران النافع.