تفسير الآية وإكرام إبراهيم بالذرية النبوية النافلة: يخبر الله جل وعلا عن فيض كرمه ونعمه على خليله إبراهيم بعد هجرته وصبره وتجرده؛ حيث عوضه عن قومه وأهله الكافرين بهبة الولد الصالح؛ فوهب له إسحاق من زوجته سارة في كبر سنهما، ووهب له يعقوب نافلة؛ أي زيادة على سؤاله ومنحة إضافية؛ إذ رزقه برؤية ولده وولد ولده، وجعل الله الجميع أنبياء أتقياء صالحين مصلحين. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 501)مصدر غير محدد١٨/٥٠١: «يقول تعالى ذكره: ووهبنا لإبراهيم إسحاق ولداً، ويعقوب وهو ابن إسحاق نافلة؛ يقول: زيادة على ما سأل؛ وكان سأل ربه فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ}، فرزقه الله إسحاق، وزاده يعقوب ولد ولد زيادة على سؤاله؛ والنافلة في كلام العرب: الزيادة على الأصل، وكلاً جعلنا صالحين: وكل هؤلاء؛ إبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلناهم صالحين مطيعين لله، عاملين بطاعته ومستحقين لنبوته».
الآثار في معنى (نافلة):
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: «النافلة: ولد الولد؛ رزقه الله إسحاق، وزاده يعقوب نافلة زيادة على ما رجاه في حياته حتى رأى ذريته أنبياء».
وعن عطاء وعكرمة: «النافلة عطاء من الله وفضلاً وزيادة إحسان فوق المطلوب».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
وهبنا: الهبة هي العطاء الخالص المتفضل به بغير مقابل ولا استحقاق.
نافلة: الزيادة والفضل على الشيء الواجب أو المطلوب؛ ومنه نفل الصلاة ونفل الغنيمة؛ والمراد هنا عطاء يعقوب زيادة على إسحاق.
صالحين: جمع صالح، وهو القائم بحقوق الله وحقوق عباده، المستقر على الاستقامة والبر.
الإعراب التركيبي:
وَوَهَبْنَا: الواو عاطفة، وفعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
لَهُ: جار ومجرور متعلق بـ (وهبنا).
إِسْحَاقَ: مفعول به أول لـ (وهبنا) منصوب بالفتحة الظاهرة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
وَيَعْقُوبَ: الواو عاطفة، (يعقوب) معطوف منصوب بالفتحة (ممنوع من الصرف).
نَافِلَةً: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من يعقوب؛ أي موهوباً على سبيل الزيادة، أو مفعول به ثان لـ (وهبنا)، أو مصدر لفعل محذوف.
وَكُلًّا: الواو عاطفة أو استئنافية، (كلاً) مفعول به أول مقدم لـ (جعلنا) منصوب بالفتحة، والتنوين عوض عن المضاف إليه؛ أي وكلهم.
جَعَلْنَا: فعل ماض وفاعله.
صَالِحِينَ: مفعول به ثان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة معطوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إنجاز الوعد والتعويض الرباني الإعجازي: لما فارق إبراهيم أباه وقومه ووطنه لله، قال تعالى في سورة مريم: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [مريم: 49]؛ فجاءت هذه الآية لتؤكد هذه القاعدة: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه؛ فعوضه ببيت نبوة مبارك تسلسلت فيه الرسالات.
الختام بالصلاح {وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ}: لم يقتصر الامتنان على مجرد الإنجاب والذرية البيولوجية، بل نص على كمال صفاتهم العقدية والخلقية؛ فالذرية الصالحة هي النعمة الحقيقية وقرة العين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إفراد إسماعيل بالذكر في موضع آخر وتأخيره هنا:
تقرير الإشكال: لماذا ذكر هنا إسحاق ويعقوب ولم يذكر إسماعيل وهو الابن البكر لإبراهيم؟
المحاكمة التفسيرية والترتيب البنائي:
إسماعيل عليه السلام سيأتي ذكره مستقلاً مع إدريس وذي الكفل في الآية (85): {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ}؛ لمناسبة ذكر الصبر وابتلاء الذبح وبناء البيت الحرام بمكة. أما هنا فالسياق سياق هجرة الشام وفلسطين؛ وإسحاق ويعقوب هما اللذان استقرا في الأرض المباركة بالشام مع إبراهيم ونشأت منهما أسباط بني إسرائيل؛ فكان ذكرهما هنا أدق تناسباً مع قوله: {إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}.
لفظ {نَافِلَةً} يحمل معنى اللطف الإلهي الفائق؛ كأن إبراهيم طمع في ولد واحد يسري عنه وحشة الغربة ويحمل راية التوحيد، ففاض عليه الكرم الإلهي بولد وولد ولد كلاهما نبي مرسل؛ فكان فضلاً مضاعفاً.
تقديم المفعول {وَكُلًّا} للاهتمام والتعميم؛ لبيان أن الصلاح شمل كل أفراد هذه السلسلة النبوية دون شذوذ.
الإشارة التدبرية: صلاح الذرية أعظم أثر يتركه العبد في الوجود؛ فادعُ دائماً بدعاء إبراهيم: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ}، وكن أنت صالحاً في نفسك ليصلح الله لك ذريتك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستبشار بعطاء الله ولو بعد حين: لا يقنط المؤمن من رحمة الله ولو تقدم به العمر وبلغت أسبابه الدنيوية حد اليأس؛ فالله قادر على أن يهب في سن الشيخوخة ما يعجز عنه الطب.