تفسير الآية وبيان صفات المتقين الكبرى: تصف هذه الآية الكريمة المتقين المذكورين في الآية السابقة بأجل صفات الإيمان؛ وهي الخشية من الله تعالى بالغيب؛ أي يخافونه في خلواتهم حيث لا يراهم أحد من الخلق، ويؤمنون به ولم يروه بأعينهم، ويخافون وعيده وعقابه في الآخرة، وهم مع صلاحهم وإحسانهم في غاية الوجل والخوف والإشفاق من أهوال يوم القيامة والساعة. قال ابن جرير الطبري (ج 18، ص 471)مصدر غير محدد١٨/٤٧١: «يقول تعالى ذكره: وذكراً للمتقين؛ الذين يخافون ربهم بالغيب: أي يخافون عقاب ربهم ولم يروه، ويطيعونه في مغيبهم عن الناس وفي سرائرهم حيث لا يراهم إلا الله، وهم من قيام الساعة ومحاسبة الله إياهم فيها مشفقون: خائفون وجلون، يستعدون لها بالأعمال الصالحة واجتناب المعاصي».
الآثار في معنى (بالغيب): قال قتادة وابن عباس ومجاهد: «بالغيب: أي في السر والعلانية؛ وهم يخشون ربهم ولم يروه، ويخشون عذابه الذي غاب عنهم أمره في الدنيا».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
يخشون: الخشية خوف مقرون بتعظيم ومعرفة بالمخوف منه؛ وهي أخص من مجرد الخوف.
بالغيب: الغيب كل ما غاب عن الحواس ولم يدرك بالمشاهدة المباشرة؛ أو في حال غيبتهم عن أعين الناس في الخلوات.
مشفقون: الإشفاق رقة الخوف وعظيم الحذر الدائم من المكروه.
الإعراب التركيبي:
الَّذِينَ: اسم موصول مبني على الفتح في محل جر نعت لـ (المتقين)، أو في محل نصب على المدح.
يَخْشَوْنَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
رَبَّهُم: مفعول به منصوب بالفتحة، والضمير مضاف إليه؛ وجملة يخشون صلة الموصول لا محل لها.
بِالْغَيْبِ: الباء للملابسة أو الظرفية، والجار والمجرور في محل نصب حال من الفاعل (الواو)؛ أي ملتبسين بالغيب في خلواتهم، أو من المفعول؛ أي يخشونه وهو غائب عن أبصارهم.
وَهُم: الواو عاطفة أو حالية، (هم) ضمير منفصل مبتدأ.
مِّنَ السَّاعَةِ: جار ومجرور متعلق بـ (مشفقون)، وقدم للاهتمام والتهويل.
مُشْفِقُونَ: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية معطوفة أو حالية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الترابط بين الخشية في الدنيا والنجاة في الآخرة: لما وصف التوراة بأنها ذكر للمتقين، بيّن أن المتقي الصادق هو من جمع بين مراقبة الله في خلوته في الدنيا {يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ}، والاستعداد الدائم لأهوال القيامة {وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ}؛ فالخشية بالغيب ثمرة الإيمان بالرب، والإشفاق من الساعة ثمرة الإيمان باليوم الآخر.
تقديم الجار والمجرور في {مِّنَ السَّاعَةِ}: قُدم المتعلق على الخبر {مُشْفِقُونَ} لحصر بؤرة الخوف في ذلك اليوم العصيب؛ لبيان أن هول القيامة قد ملأ قلوبهم حتى لم يبق في نفوسهم خوف من سواها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التنافي الظاهري بين الخوف وحسن الظن بالله:
تقرير الإشكال: كيف يمدح هؤلاء الصالحون بالإشفاق والخوف الدائم من الساعة والله يقول: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62]؟
المحاكمة والجمع الأصولي الراسخ:
لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الآخرة جزاءً على خوفهم ووجلهم في الدنيا؛ فالخوف في الدنيا سبب للأمن التام يوم القيامة؛ كما في الحديث القدسي الصحيح الذي رواه ابن حبان والبيهقي: «وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ؛ فَإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». فإشفاقهم في الدنيا علامة صدق وتقوى تؤهلهم للأمن الأكبر.
التعبير بالمضارع {يَخْشَوْنَ} يفيد تجدد الخشية واستمرارها في كل أحوالهم وخلواتهم.
التعبير بالاسمية في {وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} يفيد ثبوت الإشفاق واستقراره صفة لازمة لا تنفك عن نفوسهم.
الإشارة التدبرية: ميزان الإيمان الحقيقي يظهر في الخلوات؛ فإذا أغلقت الأبواب وأرخيت الستور وغاب عنك أعين الخلائق، فهناك يتبين صدق قوله: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تربية النفس على مراقبة الخلوات: الخلوات هي مهالك الرجال أو مصاعد الأبرار؛ فمن خاف الله في سره ستره الله في علانيته وأمنه يوم الفزع الأكبر.
استدامة وجل القلب مع العمل الصالح: المؤمن يعمل الصالحات وقلبه وجل مشفق ألا تقبل منه: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60].
الجمع بين الخوف والرجاء: الخشية تورث العمل الجاد، والإشفاق يطرد العجب والغرور.