تفسير الآية وطبيعة العجلة البشرية واستعجال العذاب: يخبر الله جل وعلا عن طبيعة بشرية متأصلة في الإنسان؛ وهي العجلة والتسرع في طلب الأشياء قبل أوانها، حتى كأنه مخلوق من نفس العجلة لكثرة ملازمتها له؛ ثم يهدد هؤلاء المشركين المستعجلين لنزول العذاب استهزاءً وتكذيباً، مبيناً أنه سيريهم آياته وبأسه وانتقامه عياناً، فلا يستعجلوا ما هو نازل بهم لا محالة. قال ابن جرير الطبري (ج 18، ص 455)مصدر غير محدد١٨/٤٥٥: «يقول تعالى ذكره: خُلق الإنسان عجولاً، يبادر الأمور ويعجل طلب ما يحب وما يكره؛ فجعل خلقه من عجل مبالغة في وصفه بالعجلة، كقول العرب: خُلق فلان من كرم وخلق من إقبال وإدبار، إذا كان مطبوعاً عليه مغالياً فيه؛ سأريكم آياتي: سأريكم ما وعدتكم به من عذابي ونقمتي بمكة بالسيف يوم بدر، وفي الآخرة بالنار، فلا تستعجلون: فلا تسألوني تعجيل ذلك؛ فإنه آت لا محالة إذا جاء أجله المقدر».
الآثار في خلق الإنسان من عجل:
قال مجاهد وقتادة وابن عباس: «خلق الإنسان من عجل: أي طبع على العجلة والتسرع؛ وكان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: متى ينزل بنا هذا العذاب الذي تعدنا به؟! فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية زاجراً لهم».
وروي عن السدي ومجاهد أيضاً في قصة خلق آدم: «لما دخلت الروح في رأسه وعينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما بلغت بطنه أراد أن ينهض عجلاناً إلى الثمار قبل أن تبلغ الروح رجليه، فذلك قوله: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
العجل: نقيض البطء والتأني، وهو طلب الشيء قبل أوانه ووقته المقدر له.
سأريكم: السين للاستقبال القريب المحقق، والإراءة إما بصرية حسية أو علمية يقينية.
تَسْتَعْجِلُونِ: فعل مضارع مجزوم بـ (لا) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء المحذوفة للتخفيف ورعاية الفاصلة ضمير مفعول به في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الكشف النفسي لسر التكذيب والاستهزاء: لما ذكر استهزاءهم في الآية السابقة وتحديهم، كشف عن الدافع الباطني لسلوكهم؛ وهو استعجال العذاب تكذيباً وتطاولاً؛ فبيّن أن هذا الاستعجال صادر عن طبيعة العجلة الضعيفة التي ركبت في الإنسان، وأن الوعيد سينزل بهم حتماً ولكن في وقته الحكيم.
المقابلة بين طبيعة العجلة البشرية وحكمة الأجل الإلهي: قابل تسرع الإنسان {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} بسعة حلم الله وسلطانه وتأجيله للآيات إلى أجلها المحتوم: {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يقال خُلق الإنسان من عجل وهو مخلوق من طين وتراب؟:
تقرير الإشكال اللفظي: ظاهر اللفظ يوهم أن العجل مادة مادية كالمطر والتراب!
المحاكمة البلاغية والتحقيق السني:
هذا أسلوب عربي قرآني فائق في المبالغة والتوكيد؛ فالعرب تطلق خلق الشيء من كذا للدلالة على شدة ملازمة الصفة للموصوف واستيلائها عليه حتى كأنها المادة التي ركب منها، كما يقال: فلان خُلق من غضب، أو خُلق من كرم، إذا كان الغضب أو الكرم غالباً على سائر طباعه وتصرفاته؛ فالمراد: خُلق الإنسان مطبوعاً على العجلة شديد التسرع إليها في حركاته ورغائبه.
في قوله: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} مجاز عقلي واستعارة تصريحية أو مبالغة تمثيلية تنزل المعنى المعنوي (العجلة) منزلة الجوهر المادي الملموس الذي نُحت منه هذا المخلوق.
تأكيد الوعيد بالسين {سَأُرِيكُمْ} يفيد اقتراب الموعد وتحقيق الوقوع؛ كأن العذاب على مرمى حجر منهم.
الإشارة التدبرية: يا ابن آدم، خلقك الله في أطوار متدرجة ولم يعجل بخلقك في لحظة واحدة؛ ليعلمك التأني والحكمة في كل شؤونك؛ فإياك أن تستعجل أقدار الله أو تقنط من فرجه؛ فإن لكل شيء عنده ميقاتاً ومقداراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مجاهدة العجلة والتسلح بالصبر والتأني: العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن؛ والواجب على المسلم التروي وضبط الانفعالات وتجنب القرارات المتسرعة في الغضب والرضا.
الصبر على تأخر النصر وتنزيل الوعيد: الداعية لا يستعجل النتائج؛ فإن سنن الله في إهلاك الباطل لا تخضع لأهواء البشر المستعجلين، بل تمضي بتؤدة وإحكام.
اليقين بصدق الوعيد الإلهي: ما توعد الله به الظالمين سيقع لا محالة؛ فمن لم يُدركه العذاب في بدر أدركه في قبره ويوم القيامة.