تفسير الآية وسنة الصراع وسحق الباطل: يبين الله تعالى سنته الكونية والتشريعية القاهرة في صراع الحق والباطل؛ فالله تعالى لا يكتفي بنفي اللعب واللهو، بل يرمي بالحق الصادع والبرهان القاطع والوحي المنزل على شبهات الباطل وأهله فيشج رأسه ويهلكه هلاكاً تاماً، فإذا الباطل مضمحل تالف لا بقاء له. قال ابن جرير الطبري (ج 18، ص 429)مصدر غير محدد١٨/٤٢٩: «يقول تعالى ذكره: ما خلقنا السماء والأرض لعباً، ولا أردنا اتخاذ اللهو، بل شأننا وسنتنا أن نرمي بالحق الذي ننزله ونأمر به على الباطل الذي يختلقه المشركون ويفترونه، فيدمغه: أي فيكسر دماغه ويشجه حتى يقتله ويهلكه، فإذا هو زاهق؛ أي تالف هالك مضمحل ذاهب، لا بقاء له ولا ثبات، ولكم يا معشر المشركين الويل والهلاك في الآخرة من أجل ما تصفون به ربكم من اتخاذ الصاحبة والولد والكذب والفرية».
الآثار في معنى (فيدمغه وزاهق):
قال قتادة: «فيدمغه: أي فيهلكه، فإذا هو زاهق: ذاهب هالك باطل».
وقال السدي وابن زيد: «الدمغ: إصابة الدماغ بالكسر الذي لا حياة معه؛ فشبه إبطال الحق لشبهات الباطل برجل رمى عدوه بحجر عظيم فكسر دماغه فخر صريعاً هالتاً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
بل: حرف إضراب إبطالي، يبطل ما توهمه المشركون من اللعب واللهو، وينتقل لبيان سنة الصدع بالحق.
نقذف: القذف هو الرمي العنيف الشديد عن بعد بقوة وسرعة.
فيدمغه: الدماغ هو مجمع العقل والحياة في الرأس، ودمغه إذا أصاب دماغه فشجه وأهلكه، والدامغة هي الضربة القاتلة.
زاهق: الزهوق هو الخروج السريع التالف؛ وزهقت روحه إذا خرجت، وزهق الباطل إذا اضمحل وهلك وذهب أثره.
تصفون: الوصف ذكر النعت؛ والمراد هنا: افتراء الأباطيل ونسبة الولد والنقائص إلى الله.
بِالْحَقِّ: الباء حرف جر، والحق اسم مجرور، والجار والمجرور في محل نصب مفعول به على تضمين نقذف معنى نرمي؛ أو الباء للاستعانة أو التعدية، والمفعول محذوف تقديره نقذف الحق.
عَلَى الْبَاطِلِ: جار ومجرور متعلق بـ (نقذف).
فَيَدْمَغُهُ: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسببية، و(يدمغه) فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر يعود على الحق، والهاء مفعول به.
فَإِذَا: الفاء عاطفة، و(إذا) فجائية قائمة مقام المفاجأة السريعة.
هُوَ: ضمير منفصل مبتدأ يعود على الباطل.
زَاهِقٌ: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة؛ والجملة معطوفة على ما قبلها.
وَلَكُمُ: الواو استئنافية، ولكم جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم.
الْوَيْلُ: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
مِمَّا: (من) حرف جر سببية، و(ما) مصدرية أو موصولة؛ أي من أجل وصفكم.
تَصِفُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وصلة الموصول لا محل لها، والجار والمجرور متعلق بالويل أو بمحذوف حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
روعة الانتقال والردع: بعد أن أثبت كمال حكمة الخلق ونزه نفسه عن اللعب، بيّن كيف يتعامل هذا الكون الإلهي الصارم مع ما يفرزه الكفار من باطل؛ فالأمر ليس مهادنة، بل قذف حاسم واستئصال جذري للباطل.
السرعة والترتيب السببي المذهل: رتب النظم القرآني النتيجة بتعقيب سريع:
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة انتفاش الباطل وظهوره في بعض الفترات:
تقرير الشبهة: إذا كان الحق يقذف به على الباطل فيدمغه، فلماذا نرى الباطل أحياناً يصول ويجول وله دولة وصولجان؟!
المحاكمة العقلية والسننية:
طبيعة المعركة وسنة المدافعة: الله سبحانه جعل قذف الحق بأيدي عباده المؤمنين وبسلطان براهينه؛ فإذا تخاذل أهل الحق أو ضعفوا انتفش الباطل كفقاعة الهواء، ولكن انتفاشه ليس علامة صحة ولا ثبات، بل هو انتفاش مؤقت يحمل بذور فنائه في ذاته.
حتمية الزهوق عند المواجهة الحقيقية: متى ما قُذف الحق بصورته النقية وبرهانه الصادع وصدق أصحابه، انخنس الباطل وتهاوت عروشه؛ لأن الباطل في أصله هش كبيت العنكبوت لا يملك مادة صلبة تصمد أمام ضياء الحقيقة: {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].
شبه القرآن الحق بجرم ثقيل صلب يُرمى به بقوة جبارة خارقة، وشبه الباطل برأس منتفخ أجوف، وشبه تأثير الحجة على الشبهة بحجر ثقيل يهوي على الرأس فيكسر جمجمته ويفجر دماغه فيخر صريعاً مائتاً في لحظة فجائية خاطفة! وهذه من أبدع صور الإعجاز التصويري في القرآن.
الإشارة التدبرية: يا طالب الحق، لا تهب الباطل وزخرفه وضجيجه؛ فإن أصغر قذيفة من قذائف الوحي كفيلة بدمغه وإزهاقه، فكن أنت الرامي بقذائف الحق واعتصم بالله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الشجاعة والصدع بالحجة: على الدعاة والعلماء ألا يداهنوا أهل الأهواء والشبهات، بل يقذفون نصوص القرآن والسنن والبراهين العقلية الصافية في وجوه المبطلين؛ فإن الحق له صولة تخرس كل لسان.
التفاؤل بنصرة المنهج: مهما علا شأن الباطل في الإعلام أو السلاح، فإنه زاهق لا محالة بوعد الله الصادق.
حفظ اللسان من وصف الله بما لا يليق: التحذير الشديد من الخوض في صفات الله وتشبيهه بخلقه أو ابتداع ما لم يأذن به الله؛ فإن الويل موعد كل من افترى على الله كذباً.