تفسير الآية وسياق النزول ونفي الخلود: يقرر الله جل وعلا سنة الفناء الحتمية الجارية على سائر البشر من الأولين والآخرين؛ فلا بقاء ولا خلود لأحد في هذه الدار الفانية، حتى خيرة خلق الله وأشرفهم وهم الرسل الكرام لم يخلد منهم أحد؛ رداً على كفار قريش الذين كانوا يتربصون بالنبي صلى الله عليه وسلم ريب المنون ويتمنون موته ليخلو لهم الجو. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 451)مصدر غير محدد١٨/٤٥١: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما خلدنا أحداً من بني آدم قبلك يا محمد في الدنيا فنخلدك فيها، بل قضينا الموت على كل من خلقنا، أفإن متَّ أنت يا محمد فهم الخالدون بعدك في الدنيا؟! لا، بل هم ميتون كما أنت ميت، وسيردون إلى حسابهم وعذابهم، فما وجه فرحهم بموتك وتربصهم المنون بك وهم لاحقون بك لا محالة؟!».
سبب النزول: روى ابن أبي حاتم والواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان المشركون يعيبون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إنما محمد بشر يوشك أن يموت فنستريح منه ونرجع إلى أمرنا! فأنزل الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}، ونظيرتها: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور: 30]».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الخلد: البقاء الدائم المستمر في الحياة دون انقطاع بموت.
بشر: الإنسان ذكراً كان أو أنثى؛ وسمي بشراً لبداوة بشرته وظهورها للعيان بخلاف الحيوانات المستورة بالشعر والوبر.
الإعراب التركيبي:
وَمَا: الواو استئنافية، (ما) نافية مهملة.
جَعَلْنَا: فعل ماض وفاعله.
لِبَشَرٍ: جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول ثان لـ (جعلنا)، أو بـ (جعلنا).
الْخُلْدَ: مفعول به أول لـ (جعلنا) منصوب بالفتحة الظاهرة.
أَفَإِن: الهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء عاطفة على مقدر محذوف، و(إن) حرف شرط جازم.
مِّتَّ: فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل.
فَهُمُ: الفاء رابطة لجواب الشرط، (هم) ضمير منفصل مبتدأ مبني على السكون وحرك بالضم لالتقاء الساكنين.
الْخَالِدُونَ: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط؛ والاستفهام الإنكاري معناه النفي القاطع؛ أي: لا يخلدون أبداً بعدك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبطال أماني الكفار وتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم: لما كشفت الآيات السابقة مكرهم واستهزاءهم، قطع عليهم هنا آخر أمل شيطاني كانوا يتعلقون به؛ وهو انتظار موته صلى الله عليه وسلم؛ فبينت الآية الحماقة البالغة في موقفهم: تفرحون بموت من يموت وأنتم على أثره سائرون وإلى القبور منقلبون؟!
الاستفهام الإنكاري التهكمي المزدوج: ركب بين الشرط والاستفهام الإنكاري {أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}؛ لإبراز التهافت العقلي في سلوك الشامت؛ فالشامت بالموت غافل عن أن الموت كأسه يدور عليه غداً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة شؤم الموت والشيطنة بموت الأنبياء:
تقرير الإشكال: ظن المشركون أن موت النبي دليل على بطلان دعوته أو زوال دينه!
المحاكمة العقلية والشرعية:
الموت سنة كونية عامة: الموت لا يقدح في صدق النبوة ولا في علو المنزلة؛ فالأنبياء قبله ماتوا، ودين الله باقٍ محفوظ بحفظ الله لا يموت بموت رجاله؛ كما قال تعالى يوم أحد: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144].
حماقة الشماتة في الموت: الموت ليس عاراً ولا نقيصة خاصة بفرد، بل هو قدر مقدور على كل ذي روح؛ فالشماتة فيه غاية الجهل والسقوط الأخلاقي.
في قوله: {فَهُمُ الْخَالِدُونَ} حصر وقصر مقلوب للتهكم والإنكار؛ أي: إن كان موتك يعطيهم الخلود فليفرحوا، ولكنهم موتى لا محالة فما معنى فرحهم؟!
إطلاق لفظ {بَشَرٍ} مع التنكير يفيد عموم نفي الخلود عن سائر أفراد الجنس البشري بلا استثناء.
الإشارة التدبرية: لو خُلد أحد في هذه الدنيا لخلد رسول الله صلى الله عليه وسلم حبيب رب العالمين وسيد ولد آدم؛ فلما لم يخلد هو علمنا علم اليقين أن الدنيا دار ضيافة وزوال، وأن المستقر الحقيقي هو الدار الآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الزهد في فانية والبناء للباقية: تذكر فناء الدنيا يقطع التعلق بشهواتها ويهون المصائب في نفوس المؤمنين.
الاستعداد للرحيل في كل لحظة: ما دام الموت قضاء مبرماً على كل أحد، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.
استمرار الدعوة وانقطاع الأشخاص: دين الإسلام رسالة ربانية حية؛ فالداعية يبني المؤسسات ويغرس المبادئ ولا يربط دين الله بشخصه، ليبقى الدين عزيزاً مستمراً بعد موته.