تفسير الآية وتسخير الشياطين والجن لسليمان وحفظهم من الفساد: يذكر الله تعالى النعمة والكرامة الأخرى العظيمة التي خص بها نبيه سليمان عليه السلام؛ وهي تسخير مردة الشياطين والجن لخدمته وأمره؛ فكانوا يغوصون له في أعماق البحار والمحيطات لاستخراج اللؤلؤ والمرجان والجواهر، ويعملون له أعمالاً أخرى شاقة؛ كبناء المحاريب والقصور والقدور الراسيات والتماثيل المجسمة المشروعة في شريعتهم، وتصنيع الآلات، وكان الله سبحانه حارساً وحافظاً لهؤلاء الشياطين بقوته وقدرته لئلا يخرجوا عن طاعة سليمان، ولا يفسدوا في مملكته، ولا يعتدوا على أحد من بني آدم. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 519)مصدر غير محدد١٨/٥١٩: «يقول تعالى ذكره: وسخرنا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في البحار فيستخرجون له اللؤلؤ والدر والجواهر من قعورها، ويعملون عملاً دون ذلك: أي ويعملون له أعمالاً سوى الغوص؛ من بناء المدن والقصور والصروح وعمل المحاريب والتماثيل، وجفان كالجواب، وقدور راسيات، وكنا لهم حافظين: أي وكنا نحفظ هؤلاء الشياطين المسخرين له من أن يفسدوا أمره، أو يعصوه، أو يمتنعوا عما أمرهم به، أو يهربوا من خدمته، أو يضروا أحداً من خلقه؛ حتى قضى الله فيهم ما أحب».
الآثار في حفظ الشياطين: قال قتادة ومجاهد والضحاك: «كنا لهم حافظين: أي حفظهم الله من أن يتمردوا على سليمان؛ وكان الشيطان إذا فرغ من عمله قبل مغيب الشمس أفسد ما حوله، فكان سليمان يوكلهم بعمل بعد عمل حتى لا يجدوا فراغاً للإفساد، وحفظهم الله بقدرته من الخروج عن طاعته».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الشياطين: جمع شيطان، وهو المتمرد العاتي من الجن؛ مأخوذ من شطن إذا بعد عن الحق والرحمة.
يغوصون: الغوص النزول في أعماق الماء واستخراج ما فيه؛ مأخوذ من غاص يغوص غوصاً.
دون ذلك: أي سوى ذلك من الأعمال الأخرى كالبناء والحدادة ونحت الصخور.
حافظين: الحفظ الرعاية والحراسة والمنع من الفساد والتمرد والضرر.
عَمَلًا: مفعول به أو مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة.
دُونَ: ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف نعت لـ (عملاً)؛ أي عملاً مغايراً وسوى ذلك، وهو مضاف.
ذَٰلِكَ: اسم إشارة مضاف إليه.
وَكُنَّا: الواو حالية أو اعتراضية، كان واسمها.
لَهُمْ: جار ومجرور متعلق بالخبر (حافظين).
حَافِظِينَ: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ وجملة كان حالية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام السيطرة التامة على قوى الشر والخفاء: صاغ النظم القرآني تسخير الشياطين ليظهر كمال استسلام أعتى قوى التمرد والوسوسة لإرادة نبي الله سليمان؛ فالشيطان الذي طالما أفسد بني آدم صار هنا عبداً خادماً يغوص في لجج البحار ويبني الصروح تحت حراسة إلهية صارمة: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ}؛ ليتبين أن قوى الشر مهما تعاظمت فهي مقهورة تحت سلطان الله وقدرته.
التدرج من العمل الغيبي المائي إلى سائر الأعمال: بدأ بذكر الغوص في البحار {يَغُوصُونَ} لأنه عمل شاق لا يقدر عليه البشر في ذلك الزمان لعمق المياه وانعدام الأكسجين، ثم عطف عليه بسائر الأعمال العمرانية والمهنية: {وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف استُعبد الشياطين وهم أصحاب خبث ومكر؟:
تقرير الإعجاز في دعوة سليمان وحفظ الله:
استعباد الشياطين لم يكن بسحر ولا بطقوس كهانة باطلة، بل كان استجابة لدعوة سليمان المستجابة حين قال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي} [ص: 35]؛ فقهرهم الله له بسلطان المعجزة، وقيدهم بالأغلال وحفظهم من إلحاق الضرر بالناس، فكان هذا التسخير برهاناً ساطعاً على صدق نبوته؛ ولذلك لما تفلت عفريت من الجن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليفسد عليه صلاته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَأَخَذْتُهُ فَذَعَتُّهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي}، فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا» (رواه البخاري ومسلم).
إبهام العمل بقوله {عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ} يفيد التكثير والتنويع؛ فكل ما كان يحتاجه عمران مملكته من شق الجبال ونقل الصخور وبناء المدن وتصنيع القدور الراسيات كان الشياطين يسخرون فيه طوعاً وكرهاً.
تقديم الجار والمجرور {لَهُمْ} في قوله {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} لتأكيد اختصاص الحراسة الإلهية المفروضة عليهم لقطع دابر كيدهم وشرهم.
الإشارة التدبرية: الشيطان ضعيف مقهور أمام سلطان الله؛ فلا تهب وسوسته ولا تخف كيده؛ فإن الله حافظ لأوليائه العابدين من كل رجس شيطاني: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76].
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تسخير كل طاقة وإمكانية في خدمة الحق: استثمار سليمان لهذه القوى في البناء والإعمار يؤصل أهمية توظيف الموارد في نصرة الدين وإعلاء صرح الدولة العادلة.
الاستعاذة الدائمة بالله من همزات الشياطين: المؤمن يعتصم بالله الحافظ من نزغات الشياطين ومكائدهم؛ فالحافظ هو الله.
إبطال أوهام الشعوذة والسحر: ما كان لسليمان كان معجزة نبوية بفضل الله لا بسحر الشياطين: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 102].