تفسير الآية والمآل النهائي: يخبر الله تعالى أن نداءهم بالويل وإقرارهم بالظلم {يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} لم ينقطع عن ألسنتهم، بل ظلوا يرددونه ويكررونه استغاثة وعويلاً حتى أتى عليهم العذاب فاستأصلهم وجعلهم كالزرع المحصود والنار الخامدة التي طفئت فلا حس ولا حركة. قال ابن جرير الطبري (ج 18، ص 425)مصدر غير محدد١٨/٤٢٥: «يقول تعالى ذكره: فما زالت تلك الكلمة، وهي قولهم: {يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} دعواهم؛ يقول: هِجِّيرَاهم ودعاءهم الذي يدعون به ويرددونه، حتى حصدناهم بالسيف والعذاب، وجعلناهم كالنبات الذي قد حُصد فقطع بالمناجل وسقط على الأرض صريعاً، خامدين كالرماد الذي خمدت ناره وطفئ جمره فلا حياة فيه ولا حركة».
الآثار في معنى (حصيداً خامدين): قال قتادة: «حصيداً: حصدوا بالعذاب كما يحصد الزرع، وخامدين: أي موتى لا حياة فيهم كالنار التي طفئت وذهب لهبها وحرها». وعن مجاهد: «خامدين: ميتين لا أثر لحياتهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
دعواهم: الدعوى هنا ما يدعون به ويكررونه من قولهم: يا ويلنا؛ وأصله الدعاء.
حصيداً: فعيل بمعنى مفعول؛ أي محصوداً مقطوعاً مستأصلاً كالزرع الذي يقطع بأصوله.
خامدين: خمدت النار خموداً إذا سكن لهبها وطفئت وبطل ضياؤها؛ وخمد المريض إذا مات وبطل حسه ونبضه.
الإعراب التركيبي:
فَمَا: الفاء عاطفة، (ما) نافية.
زَالَت: فعل ماض ناقص ناسخ من أخوات كان، والتاء للتأنيث.
تِّلْكَ: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع اسم ما زال، واللام للبعد والكاف للخطاب؛ والمشار إليه مقالتهم (يا ويلنا إنا كنا ظالمين).
دَعْوَاهُمْ: خبر ما زال منصوب بالفتحة المقدرة على الألف للتعذر، والضمير مضاف إليه.
حَتَّىٰ: حرف غاية وجر لانتهاء الغاية الزمانية.
جَعَلْنَاهُمْ: فعل ماض وفاعله ومفعوله الأول (الهاء) مبني في محل نصب، والمصدر المؤول من أن المضمرة بعد حتى والفعل في محل جر بـ (حتى).
حَصِيدًا: مفعول به ثان لـ (جعلنا) منصوب بالفتحة الظاهرة.
خَامِدِينَ: نعت لـ (حصيداً) أو مفعول ثالث منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاستعطاف بعدم جدوى العذاب بعد اعترافهم:
تقرير التوهم: ألم يكن من مقتضى الرحمة إمهالهم حين استمروا في الدعاء والاعتراف؟
المحاكمة وتفنيد الشبهة:
الاستمرار في الدعوى وترديد (يا ويلنا) ليس توبة إيمانية، بل عويل ألم وجزع طبيعي لا ثمرة له؛ فالحكمة والعدل الإلهي يقتضيان تنفيذ سنن الجزاء؛ لأن العذاب إذا نزل استحقاقاً للأمة الباغية طهر الأرض من رجسهم، لتبدأ مرحلة جديدة مع أقوام آخرين يقيمون عبودية الله وعدله.
تشبيه بليغ في قوله: {حَصِيدًا خَامِدِينَ}؛ حيث حذف أداة التشبيه ووجه الشبه، فجعلهم عين الحصيد وعين الرماد الخامد مبالغة في تصوير الموت والانعدام.
الإشارة بـ {تِّلْكَ} للتحقير والتهويل من شأن تلك الكلمة الحزينة التي لم تغن عنهم فتيلاً.
الإشارة التدبرية: تأمل كيف انقلبت تلك الأجساد التي كانت ترفل في الحرير والديباج وتتيه في القصور المشيدة إلى جثث هامدة كعيدان الحصيد الجافة، فاعتبر يا أولي الأبصار!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة الحياة والأنفاس: كل نفس يتنفسه الإنسان قبل نزول الأجل هو فرصة ثمينة للتدارك والتوبة؛ فإذا جاء الأجل انقطعت الفرص ولم يبق إلا الحصاد المر.
التواضع ونبذ الاستعلاء: لا ينبغي لذي قوة أن يبطر بقوته؛ فإن أقوى الجبابرة سيوضع في التراب خامداً لا يملك حراكاً ولا يدفع عن نفسه هوام الأرض.
اليقين بنصرة أولياء الله: إهلاك هؤلاء المعتدين عزاء للمظلومين في كل زمان بأن الطغيان له نهاية مخزية تعيد الحق لنصابه.