تفسير الآية وإنجاء يونس والقاعدة الكونية لنجاة المؤمنين: يخبر الله تبارك وتعالى عن كمال فضله وسرعة استجابته لنبيه يونس عليه السلام؛ فما إن أطلق نداءه الصادق في بطن الحوت حتى أتاه الفرج؛ فاستجاب الله دعاءه، وأمر الحوت فقذفه في الساحل على الأرض العراء وهو سقيم، ونبّت عليه شجرة من يقطين تظله، ونجاه من ذلك الغم الشديد والكرب الهائل، ثم عقد الله هذه الكرامة بقاعدة تشريعية وسنّة كونية عامة خالدة إلى يوم القيامة: {وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}؛ فكل مؤمن أصابه كرب أو غم فلجأ إلى الله بالتوحيد والاستغفار فإن الله ينجيه كما نجى يونس. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 534)مصدر غير محدد١٨/٥٣٤: «يقول تعالى ذكره: فلما دعا يونس ربه بكلمات التوحيد والاعتراف بالظلم، استجبنا له دعاءه، وأمرنا الحوت فقذفه إلى الساحل، ونجيناه من الغم الذي كان فيه بحبسه في بطن الحوت في قعر البحر وظلمة الليل، وكذلك ننجي المؤمنين: أي وكما نجينا يونس من كربه وغمّه حين نادانا ووحدنا واعترف بذنبه، كذلك ننجي المؤمنين الموحدين الصادقين إذا استغاثوا بنا ودعونا في شدائدهم وكروبهم».
الآثار في معنى (وكذلك ننجي المؤمنين):
روى ابن جرير والحاكم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}: «هِيَ شَرْطٌ مِنَ اللَّهِ لِمَنْ دَعَاهُ بِهَا أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُ؛ إِذَا دَعَا بِهَا كَشَفَ عَنْهُ كَرْبَهُ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الغم: الحزن الشديد والكرب الذي يغطي القلب ويغمره بالضيق والهم؛ مأخوذ من غممت الشيء إذا غطيته وسترته.
وكذلك ننجي: الكاف حرف تشبيه، وذلك اسم إشارة لمثل هذا الإنجاء العجيب؛ وننجي التخليص والإنقاذ من الهلاك.
وَنَجَّيْنَاهُ: الواو عاطفة، فعل ماض وفاعله ومفعوله.
مِنَ الْغَمِّ: جار ومجرور متعلق بـ (نجيناه).
وَكَذَٰلِكَ: الواو استئنافية، والكاف حرف جر وتشبيه، و(ذا) اسم إشارة مبني في محل جر متعلق بمحذوف مفعول مطلق مقدم لـ (ننجي).
نُنجِي: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن (وقرئ: نُجِّي بنون واحدة مشددة الجيم على البناء للمفعول والمؤمنون نائب فاعل، أو بنونين مدغمة).
الْمُؤْمِنِينَ: مفعول به لـ (ننجي) منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة مستأنفة مقررة للقاعدة العامة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحويل القصة الفردية الخاصة إلى قانون كلي عام: هذا من أبدع مظاهر الإعجاز في النظم القرآني؛ فلم ينهِ خبر يونس كحادثة تاريخية معزولة خاصة به، بل مد جسر النجاة لكل مؤمن ومؤمنة في الأرض إلى قيام الساعة بقوله: {وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}؛ ليربط كل قلب مكروب بحبل النجاة اليونسي.
الفاء التعقيبية والربط الفوري: ربط الاستجابة والنجاة بالفاء {فَاسْتَجَبْنَا} للدلالة على أن الفرج نزل في التو واللحظة التي استقر فيها الاعتراف والتوحيد في قلب يونس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هل النجاة حتمية لكل داعٍ بدعاء يونس؟:
تقرير الوعد الإلهي وشروطه:
وعد الله تعالى في قوله: {وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} وعد حق وشرط صدق، ولكن النجاة مشروطة بتحقيق الإيمان الصادق، والتجرد التام، وإخلاص التوحيد، ونبذ الشرك والمظالم، وأن يدعو العبد موقناً بالإجابة غير متعجل ولا يدعو بإثم أو قطيعة رحم؛ فإذا اجتمعت الشروط وانتفت الموانع كشف الله الغم لا محالة؛ إما بتفريج الكرب عاجلاً في الدنيا، أو بصرف سوء أعظم منه، أو بادخار الأجر الكامل له في الآخرة.
تصدير الجملة بـ {وَكَذَٰلِكَ} تشبيه للكيفية والسرعة والقدرة؛ أي بمثل هذا الصنع العجيب الخارق الذي أخرجنا به يونس من ظلمات بطن الحوت وقاع البحر، نخرج كل عبد مؤمن من مضائق همومه وغمومه.
التعبير بالمضارع {نُنجِي} يفيد الاستمرار والتجدد في كل زمان ومكان.
الإشارة التدبرية: ليس بينك وبين نجاة يونس إلا أن تقول ما قاله يونس بصدق ويقين وانكسار؛ فإن رب يونس هو ربك، وبابه مفتوح لكل مكروب لا يغلق في وجه سائل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بالفرج وانفشاش الهموم: المؤمن لا يعرف اليأس ولا الإحباط؛ فمهما أحاطت به الغموم والديون والأمراض والظلم، تذكر قوله: {وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} فاستبشر قلبه بنصر الله.
الإكثار من ذكر الله عند الشدائد: كان تسبيح يونس في بطن الحوت سبباً في نجاته: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143-144]؛ فتعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة.
فضل نعمة الإيمان: الإيمان هو صمام الأمان؛ فلولا صفة الإيمان لما شملهم هذا الوعد العظيم: {وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}.