تفسير الآية والمنع الحتمي من الرجوع إلى الدنيا بعد الهلاك: يقرر الله تعالى حكماً قاطعاً وسنّة مبرمة لا مرد لها؛ فممتنع ومستحيل على أي قرية وأهل بلدة قضينا عليهم بالهلاك واستئصال عذاب الدنيا، أن يرجعوا إلى الحياة الدنيا مرة أخرى ليتوبوا أو يتداركوا ما فاتهم؛ بل قد حيل بينهم وبين ما يشتهون، وصاروا مرتهنين بأعمالهم حتى قيام الساعة. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 543)مصدر غير محدد١٨/٥٤٣: «يقول تعالى ذكره: وممتنع وحرام على أهل قرية كتبنا عليهم الهلاك وقضينا بإهلاكهم لكفرهم، أن يرجعوا إلى الدنيا فيتوبوا وينيبوا ويستعتبوا؛ أي لا رجعة لهم إلى الدنيا بعد الهلاك، بل حبسوا في البرزخ حتى تقوم القيامة».
القراءات والآثار في (وحرام وحِرم):
قرأ الجمهور (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم): {وَحَرَامٌ} بفتح الحاء والراء وألف بعدها.
وقرأ حمزة والكسائي وشعبة: {وَحِرْمٌ} بكسر الحاء وسكون الراء بلا ألف، وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد؛ كالحَلال والحِلّ.
وفي معنى (لا يرجعون): قال ابن عباس وقتادة وعكرمة والضحاك: «(لا) هنا صلة وتأكيد؛ والمعنى: وحرام عليهم أن يرجعوا إلى الدنيا بعد أن أهلكوا، كقوله: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ}؛ أي أن تسجد؛ وقيل: المعنى واجب عليهم أن يرجعوا إلينا يوم القيامة للجزاء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
أَهْلَكْنَاهَا: فعل ماض وفاعله ومفعوله، والجملة في محل جر نعت لـ (قرية).
أَنَّهُمْ: (أنّ) حرف توكيد ونصب، والضمير اسمها.
لَا: زائدة لتأكيد النفي؛ أو نافية على تأويل: ممتنع عدم رجوعهم للآخرة.
يَرْجِعُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر (أنّ)؛ والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها في محل رفع مبتدأ مؤخر؛ وتقدير الكلام: ورجوعهم إلى الدنيا ممتنع محرم؛ أو عدم رجوعهم إلينا للجزاء ممتنع محرم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إغلاق باب التدارك بعد فوات الأوان: ارتبطت هذه الآية بما قبلها؛ فبعد أن بين أن العمل الصالح مع الإيمان مشكور مكتوب، حذر من التسويف والتأخير ببيان أن المهلة إذا انقضت ونزل عذاب الاستئصال سقطت التوبة واستحال الرجوع إلى الدنيا: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا} [المؤمنون: 99-100].
التمهيد ليوم البعث العام الكبير: يقرر النظم القرآني أن هؤلاء المهلكين محبوسون وممنوعون من الرجوع، وظلوا كذلك في قبورهم وبرزخهم {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ}؛ فجاءت الآية رابطة محكمة بين مصارع الأمم الماضية وأشراط الساعة الكبرى ويوم البعث والنشور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة تنازع المعنى في زيادة (لا) في قوله {أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ}:
تقرير الإشكال النحوي: إن كانت (لا) نافية وظاهرها نفي الرجوع، فكيف يكون نفي الرجوع حراماً؟!
المسلك الأول (جمهور السلف كابن عباس وقتادة): أن (لا) صلة ومؤكدة للكلام كقوله: {لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ}؛ والمعنى: حرام وممتنع عليهم رجوعهم إلى الدنيا بعد الهلاك؛ لأن دار التكليف تنقضي بالموت فلا عودة إليها.
المسلك الثاني (الزجاج والزمخشري): أن الحرام بمعنى الواجب المكتوب؛ أي واجب عليهم أنهم لا يرجعون إلينا في الآخرة؟! بل يرجعون لا محالة ليحاسبوا، فيكون على الإنكار؛ وكلا الوجهين يقرر صرامة العدل وانقطاع الأمل في التدارك بعد نزول العذاب.
التعبير بـ {حَرَامٌ} ينقل المعنى من مجرد الامتناع القدري إلى مرتبة التحريم الجازم الذي لا يتطرق إليه استثناء؛ لحسم أوهام الكفار الذين يتمنون الرجعة.
الإشارة التدبرية: الحياة أنفاس معدودة وفرصة واحدة لا تتكرر؛ فإذا مات الإنسان أُغلق دونه الباب وحُرم عليه الرجوع؛ فاستدرك أنفاسك اليوم قبل أن تقول: رب ارجعون!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار خطورة فوات الأوان: العاقل من بادر بالتوبة والعمل الصالح قبل نزول الأجل وحلول الحيلولة.
إبطال عقائد التناسخ والرجعة الباطلة: الآية حجة قاطعة على بطلان خرافة تناسخ الأرواح التي يزعم أهلها أن الميت يرجع إلى الدنيا في جسد آخر؛ فالقرآن يقرر استحالة الرجوع إلى الدنيا بعد الموت: {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ}.
الاستعداد ليوم الحساب الأكبر: الموت بوابة البرزخ، والبرزخ طريق إلى المحشر والقيامة.