تفسير الآية ووظيفة الرسالة وصمم الكفار: يحدد الله تبارك وتعالى المهمة المركزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهي أنه منذر مبلغ بوحي الله المعصوم، ليس له من الأمر شيء ولا يملك خوارق من عند نفسه؛ ثم يبين علة عدم انتفاع هؤلاء المشركين بهذا الإنذار الناصع؛ فهم كالصم الذين فقدوا حاسة السمع؛ لا ينتفعون بما يدعون إليه إذا نودوا لإنقاذهم من الهلاك. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 466)مصدر غير محدد١٨/٤٦٦: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إنما أحذركم عقاب الله ونقمته وتكذيبه بالوحي الذي يوحيه إلي ربي، لا برأي من عندي ولا باختلاق، ولكن هؤلاء الكفرة لا يسمعون ما تدعوهم إليه من الوحي سماع قبول وتفهم، لأنهم بمنزلة الصم الذين لا يسمعون الأصوات والدعاء إذا ما ينذرون؛ فكذلك الكافر أصم القلب عن كتاب الله وآياته، لا يسمع سماع من يعقل ويهتدي».
القراءات المتواترة في (يسمع وينذرون):
قرأ الجمهور (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي): {وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ} بفتح الياء ورفع (الصم)؛ على أن الفعل لازم أو متعد والصم فاعله؛ أي لا يسمع الصم الدعاء.
وقرأ ابن عامر: {وَلَا يُسْمَعُ الصُّمَّ} بضم الياء وفتح الميم على البناء للمجهول ونصب (الصمَّ) على المفعولية ونائب الفاعل هو الدعاء؛ أو بكسر الميم ونصب الصم على المفعول به للنبي صلى الله عليه وسلم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإنذار: الإخبار بالأمر المخوف قبل وقوعه ليتأهب له ويحذره؛ وهو نقيض التبشير.
الوحي: الإلهام والكلام الخفي السريع؛ والمراد به القرآن والسنة.
الصم: جمع أصم، وهو من فقد حاسة السمع؛ واستعير لمن تعطل عنده الاستجابة للحق.
الدعاء: النداء والصوت المرتفع طلباً للإقبال.
الإعراب التركيبي:
قُلْ: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل أنت.
إِنَّمَا: كافة ومكفوفة تفيد الحصر والقصر.
أُنذِرُكُم: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنا، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول، والميم للجمع.
بِالْوَحْيِ: جار ومجرور متعلق بـ (أنذركم)، والباء للسببية أو الآلة؛ والمفعول الثاني محذوف تقديره: أنذركم العذاب بسبب الوحي، والجملة مقول القول.
وَلَا: الواو استئنافية أو حالية، (لا) نافية.
يَسْمَعُ: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة (وعلى قراءة البناء للمجهول: يُسْمَعُ).
الصُّمُّ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة (وعلى قراءة النصب: مفعول به مقدم).
الدُّعَاءَ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
إِذَا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
مَا: زائدة للتوكيد مبنية على السكون.
يُنذَرُونَ: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة في محل جر بالإضافة لـ (إذا)، وجواب (إذا) محذوف دل عليه ما قبله؛ أي: إذا ما ينذرون لا يسمعون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحديد طبيعة الوظيفة الرسالية: رداً على كل تعنتهم في طلب الآيات الحسية وتحديد المواعيد، حصر النبي صلى الله عليه وسلم وظيفته في بلاغ الوحي {إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ}؛ فهو نذير مبين بالبرهان الإلهي المعصوم، وليس بيده مفاتيح الغيب ولا تنزيل الصواعق.
التشبيه النفسي لانسداد منافذ الإدراك: شبههم بالصم عند سماع النداء؛ لبيان أن القصور ليس في صوت المنذر ولا في وضوح الوحي والبيان، بل في الآلة المستقبلة المتعطلة بالهوى والكبر؛ فالمنادي يصرخ بأعلى صوته ولكن الأصم لا يعي شيئاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نفي السمع عنهم مع أنهم يسمعون بأذانهم:
تقرير الإشكال اللفظي: كيف يصفهم القرآن بالصمم وهم يسمعون كلام النبي صلى الله عليه وسلم ويجادلونه؟!
المحاكمة والرد البياني:
السمع المنفي هنا هو (سمع القبول والانتفاع والاهتداء)، لا مجرد السمع البيولوجي لإدراك الأصوات والأحرف؛ فما دامت الأذن تسمع الصوت ولكن القلب لا يتدبره ولا ينقاد له، فقد صارت حاسة السمع ملغاة عديمة الفائدة، فنُزّل صاحبها منزلة الأصم الفاقد للحاسة بالكلية؛ كما يقال في العرف: كلمت فلاناً فلم يسمع كلامي، أي لم يستجب ولم يطع.
استعارة الصمم للكفار استعارة تصريحية تسلب عنهم شرف العقل والتمييز؛ إذ حطوا منزلة جوارحهم إلى رتبة الجماد.
زيادة (ما) في {إِذَا مَا يُنذَرُونَ} تفيد توكيد الإنذار؛ أي حتى في أشد حالات الإنذار تخويفاً ورهبة لا يسمعون ولا يرتدعون.
الإشارة التدبرية: من أعظم العقوبات الخفية على القلب أن يُسلب لذة السماع للقرآن وتدبره؛ فترى الإنسان يسمع آيات الوعيد كأنها لا تعنيه، فيمر عليها ببلادة وغفلة، وتلك علامة موت القلب، نسأل الله العافية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاقتصار على الوحي في الدعوة والتربية: على الداعية أن يجعل القرآن والسنة الصحيحة مادته الكبرى في الإنذار والتبشير؛ فالوحي هو النور المحيي للقلوب.
عدم اليأس عند إعراض المعاندين: إذا رأى الداعية إعراض بعض الناس وصدودهم فلا يضيق صدره؛ فإن علة الإعراض صمم في قلوبهم وأهوائهم، والمبلغ ليس عليه إلا البلاغ.
سؤال الله سلامة الأسماع والقلوب: المحافظة على طهارة السمع من اللغو والغيبة والباطل؛ ليبقى السمع نقياً مستجيباً لكلام الله.