تفسير الآية ومقام خليل الرحمن ورشده المبكر: ينتقل السياق النوراني إلى عرض قصة إمام الحنفاء وخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، مبيناً أن الله تعالى وفقه وهداه إلى الحق والتوحيد في صباه وبواكير عمره من قبل موسى وهارون، ومن قبل بلوغ الرسالة، وكان الله به عليماً بأنه أهل للاصطفاء والخلة وحمل راية التوحيد ومحاجة المشركين. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 473)مصدر غير محدد١٨/٤٧٣: «يقول تعالى ذكره: ولقد أعطينا إبراهيم خليلنا رشده من قبل؛ يعني من قبل موسى وهارون، وقيل: من قبل بلوغه مبالغ الرجال؛ هديناه إلى توحيد ربه والبراءة من عبادة الأوثان في صغره، وكنا به عالمين: وكنا عالمين بأنه صالح للهدى، أهل للنبوة والخلة، فلذلك اصطفيناه وآتيناه رشده».
الآثار في معنى (رشده):
قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: «رشده: أي هداه وتوفيقه إلى التوحيد في صغره، وإلهامه الحجة في مدافعة قومه».
وعن الضحاك: «رشده: النبوة التي خصه الله بها وحسن تدبيره ومحاججته بالحكمة واليقين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الرشد: الاهتداء إلى الصواب والحق، والاستقامة على طريق السداد، وهو ضد الغي والضلال والسفه.
من قبل: أي من قبل موسى وهارون المذكورين آنفاً، أو من قبل بلوغه وسنه المبكر.
عالمين: ذوي علم محيط بأهليته واستحقاقه للاصطفاء.
الإعراب التركيبي:
وَلَقَدْ: الواو استئنافية، واللام موطئة للقسم المقدر، و(قد) حرف تحقيق.
آتَيْنَا: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
إِبْرَاهِيمَ: مفعول به أول لـ (آتينا) منصوب بالفتحة الظاهرة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
رُشْدَهُ: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة، والهاء مضاف إليه.
مِن قَبْلُ: جار ومجرور مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى متعلق بـ (آتينا).
وَكُنَّا: الواو عاطفة أو حالية، فعل ماض ناقص و(نا) اسمها.
بِهِ: جار ومجرور متعلق بـ (عالمين).
عَالِمِينَ: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجملة معطوفة أو حالية مؤكدة لاصطفائه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال التاريخي المحكم: بعد أن ذكر موسى وهارون والقرآن، رجع إلى الجد الأكبر للأنبياء وإمام الحنيفية إبراهيم عليه السلام؛ الذي تفتخر قريش بالانتساب إليه وتدعي اتباع ملته؛ فبدأ بقصته ليكشف لقريش أن إبراهيم ما كان مشركاً يعبد الأصنام، بل كان أول محطم لها ورائد التوحيد الخالص.
الربط بين إيتاء الرشد والعلم الإلهي السابق: قرن بين إيتاء الرشد {آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} وبين علمه به {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ}؛ لبيان أن اصطفاء النبوة ليس جزافاً ولا عشوائياً، بل صادر عن علم إلهي أزلي محيط بطهارة قلب إبراهيم وصلاحه التام لحمل الرسالة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير النزاع التاريخي: ادعت قريش أنها على ملة إبراهيم في عبادة الأصنام، وادعى اليهود أنه يهودي، والنصارى نصراني!
المحاكمة القرآنية الصادعة:
الآية تؤسس لقصة إبراهيم لبيان أن جوهر رشده هو (التوحيد ونبذ الأصنام ومحاربتها بالبرهان والفأس)؛ فمن عبد صنماً أو نسب لله ولداً فقد سفه نفسه وانسلخ من ملة إبراهيم: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130].
إضافة الرشد إلى ضميره {رُشْدَهُ} فيها تشريف عظيم ودلالة على خصوصية الرشد اللائق به وبمكانته العلية؛ وهو كمال اليقين والخلة والحكمة.
تقديم الجار والمجرور {بِهِ} على الخبر {عَالِمِينَ} يفيد الاختصاص والعناية الإلهية الفائقة بهذا النبي العظيم.
الإشارة التدبرية: الرشد هبة إلهية ومنحة ربانية يفيضها الله على القلوب الصافية الباحثة عن الحق بصدق وتجرد؛ فسل الله دائماً أن يهديك لرشدك في كل أمورك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العناية بالتربية المبكرة على التوحيد: إيتاء إبراهيم رشده من قبل يدل على أهمية غرس العقيدة الصحيحة والرشاد الفكري في نفوس الناشئة والشباب قبل أن تستزلهم الشبهات.
الأهلية للاصطفاء والمسؤولية: الله تعالى يضع رسالته وفضله فيمن يعلم طهارة قلبه وجديته في نصرة دينه: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124].
طلب الرشد والدعاء به: كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أن يقولوا: «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَقِنِي شَرَّ نَفْسِي» (رواه الترمذي).