تفسير الآية ويقظة الفطرة المؤقتة والاعتراف بالظلم: تصور هذه الآية الكريمة الأثر النفسي الصاعق الذي أحدثه جواب إبراهيم العبقري في قلوب القوم؛ فلما سمعوا قوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ}، استيقظت ضمائرهم فجأة، ورجعوا إلى عقولهم وفطرهم السليمة متفكرين متأملين؛ فعلموا أن الحجارة لا تنطق ولا تفعل ولا تدفع، وأنهم هم الجناة الظالمون لأنفسهم بعبادة ما لا يسمع ولا يبصر! قال الإمام الطبري (ج 18، ص 488)مصدر غير محدد١٨/٤٨٨: «يقول تعالى ذكره: فلما قال لهم إبراهيم ذلك، رجع القوم إلى أنفسهم بالتفكر والتدبر، وراجعوا عقولهم، فقال بعضهم لبعض: إنكم أنتم الظالمون بعبادتكم هذه الأصنام التي لا تنطق ولا تدفع عن أنفسها ضراً، وبتوجيهكم السؤال إلى إبراهيم وإرادتكم عقابه وظلمه، مع وضوح عجزه وعجز آلهتكم».
الآثار في معنى (فرجعوا إلى أنفسهم): قال قتادة والسدي ومجاهد: «فرجعوا إلى أنفسهم: أي راجعوا بصائرهم وتفكروا فيما بينهم وبين أنفسهم، فعرفوا سفههم وضلالهم، وقالوا: ما نرى إبراهيم إلا صادقاً، وإنكم أنتم الظالمون بعبادة من لا ينطق ولا يسمع».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
فرجعوا إلى أنفسهم: استعارة تمثيلية لمراجعة الفكر السليم بعد طيش العاطفة والتعصب؛ يقال: رجع فلان إلى نفسه إذا انتبه من غفلته وفكر بعقله مجرداً عن الهوى.
الظالمون: الواضعون للشيء في غير موضعه؛ باعترافهم بظلمهم بعبادة الأوثان أو ظلمهم لإبراهيم باتهامه.
إِنَّكُمْ: (إنّ) حرف توكيد ونصب، والكاف اسمها والميم للجمع.
أَنتُمُ: ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو توكيد لاسم إن، أو مبتدأ ثان وخبره الظالمون.
الظَّالِمُونَ: خبر (إنّ) مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ وجملة (إنكم أنتم الظالمون) مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحياء الفطرة المطمورة تحت ركام التعصب: أحدثت كلمات إبراهيم هزة زلزالية في وجدان الجمع؛ فانسلخوا للحظات عن رداء الكبر والتقليد وواجهوا أنفسهم بالحقيقة المرة؛ فبين النظم القرآني قدرة الحجة المخلصة على تفكيك أعتى المنظومات الشركية وإيقاظ صوت الضمير الغائب.
التوكيد القاطع في اعترافهم الداخلي {إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ}: أكدوا هذا الاعتراف بـ (إنّ) وضمير الفصل (أنتم) وحصر الظلم بـ (أل) الجنسية؛ كأنهم يقولون: لقد بلغنا الغاية في الظلم والسفاهة حين عبدنا أحجاراً لا تبين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هل كان اعترافهم توبة نصوحاً مقبولة؟:
تقرير الحقيقة النفسية والشرعية:
هذا الاعتراف لم يكن توبة إيمانية مستقرة، بل كان ومضة فطرية عابرة وصدمة دهشة استسلموا فيها لسلطان المنطق للحظات وجيزة قبل أن تعود إليهم عصبية الجاهلية وتستزلهم شياطين الكبر؛ ولذلك أعقبها الله مباشرة في الآية التالية ببيان انتكاسهم وارتكاسهم في الضلال: {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ}.
قوله: {فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ} من أبلغ التراكيب القرآنية في علم النفس الإيماني؛ يصور النفس البشرية كأنها كانت شاردة غائبة في تيه الهوى والضياع، فلما صدمها الحق ببرهانه القاطع، عادت إلى رشدها وسكنت إلى مقرها الفطري لتتفحص ذاتها.
الإشارة التدبرية: يا ابن آدم، كم من مرة قرعت آيات القرآن سمعك فرجعت إلى نفسك للحظات وعلمت أنك مقصر وظالم، ولكن سرعان ما خطفتك شياطين الدنيا ووساوس الهوى فرجعت إلى غفلتك! فاثبت على نداء الفطرة ولا تنكس على رأسك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة بسلطان الفطرة والبرهان: لا ييأس الداعية من هداية أحد؛ فإن في أعماق كل إنسان فطرة توحيدية نائمة يمكن إيقاظها بالكلمة الصادقة والبرهان الحكيم.
محاسبة النفس والمراجعة الشجاعة: أعظم علامات الرشد أن يملك الإنسان شجاعة مراجعة أفكاره ومعتقداته والاعتراف بالخطأ والظلم إذا تبين له الحق.
خطورة التردد بعد وضوح الحق: الانتكاس بعد معرفة الحق أعظم أسباب الخذلان وطمس البصيرة.