تفسير الآية والنصر المؤزر بالطوفان وإغراق المكذبين: يقرر الحق سبحانه كمال نصره لنبيه نوح عليه السلام؛ فمنعه وحماه من بطش أولئك الكفرة المعاندين الذين كذبوا بآيات الله ورسالته، وجعل عاقبتهم الغرق التام بالطوفان الهائل؛ فلم يبق منهم على وجه الأرض عين تطرف، معللاً هذا الهلاك بأنهم كانوا قوم سوء تمردوا على الحق واستحبوا العمى على الهدى. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 507)مصدر غير محدد١٨/٥٠٧: «يقول تعالى ذكره: ومنعنا نوحاً وحميناه ونصرناه من القوم الذين كذبوا بأدلتنا وحججنا؛ يقول: انتصرنا له منهم بإهلاكنا إياهم واستئصالهم، إنهم كانوا قوم سوء: أي أهل شر وفساد وطغيان، فأغرقناهم أجمعين: فأغرق الله قومه أجمعين بالطوفان؛ فلم ينجُ منهم أحد، لا كبير ولا صغير من الكفار».
الآثار في معنى (نصرناه من القوم): قال قتادة وابن عباس: «نصرناه منهم: أي نجيناه منهم وكفيناه شرهم وانتقمنا له منهم؛ وتعدية النصر بـ (من) لتضمنه معنى المنع والإنجاء والانتقام؛ كقولك: نصرت فلاناً من عدوه إذا خلصته منه وقهرت عدوه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
نصرناه: النصر هو العون والتأييد والغلبة ودفع الظلم عن المظلوم؛ وضمن هنا معنى الإنجاء والمنع فلذلك عُدي بـ (من).
أَجْمَعِينَ: توكيد معنوي للضمير (هم) منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تأكيد شمول العقوبة والعدالة المطلقة: عبر بـ {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} مسبوقاً بوصفهم بـ {قَوْمَ سَوْءٍ}؛ لبيان أن العذاب الاستئصالي العام إنما نزل بعد أن استحكم السوء في أجيالهم كلها؛ فلم يعد يرجى من أصلابهم مؤمن، كما قال نوح في دعائه: {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح: 27]؛ فكان إغراقهم رحمة بالأجيال القادمة وتطهيراً للأرض من مادة الفساد.
التوافق التعبيري مع قصة لوط: تكررت جملة {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ} في قصة لوط في الآية (74) وفي قصة نوح هنا في الآية (77)؛ للتأكيد على أن سنة الله في إهلاك الأمم لا تتغير: كلما تحولت أمة إلى (قوم سوء) متمردين على آيات الله كفراناً واستكباراً، حقت عليهم كلمة العذاب؛ تارة بالحجارة والخسف، وتارة بالغرق والطوفان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التعدية في قوله {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ}:
تقرير الإشكال النحوي والدلالي: المعهود في اللغة أن يقال: نصره على عدوه، فكيف عداها هنا بحرف الجر (من)؟!
المحاكمة اللغوية والبيانية العالية:
هذا من دقائق أسرار التضمين في البلاغة القرآنية؛ فالفعل (نصر) ضُمِّن معنى (نجّاه ومنعه وخلصه)؛ فجمع اللفظ بين معنيين في كلمة واحدة:
معنى النصرة والظفر وإعلاء شأنه.
ومعنى التخليص والإنقاذ التام من مكرهم وشرهم حتى لا يصل إليه منهم أدنى أذى. وهذا أبلغ بكثير من الاقتصار على حرف الاستعلاء (على).
التوكيد بـ {أَجْمَعِينَ} يقطع دابر أي توهم بإمكانية نجاة أحد من الكافرين خارج سفينة نوح؛ فكل شبر في الأرض غمره الماء، وتهاوت كل ملاجئ الجبال: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ}.
إضافة الآيات إلى نون العظمة {بِآيَاتِنَا} تبيّن عظيم جرمهم؛ إذ لم يكذبوا بنوح وحده، بل كذبوا بآيات رب العالمين الباهرة.
الإشارة التدبرية: مهما طال ليل الظلم واستعلى المكذبون، فإن نصر الله لأوليائه آتٍ لا محالة، وإن هلاك المجرمين محتوم كإغراق قوم نوح؛ فاصبر ولا تستعجل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة المطلقة بنصر الله: العاقبة الحميدة لأهل الإيمان؛ فمن كذّبه الناس وعادوه في سبيل الله فإن الله ناصره ومخلصه.
الخوف من عواقب التكذيب بآيات الله: التكذيب بالوحي والاستهزاء به هو الصاعقة التي تجلب الدمار للأمم والحضارات.
سفينة النجاة في كل عصر: كما كانت سفينة نوح هي المنجاة الوحيدة من الطوفان، فإن التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو سفينة النجاة الوحيدة من طوفان الفتن والشبهات والشهوات في كل زمان.