تفسير الآية وتعميم الرحمة والكرامة للصابرين: يخبر الله جل وعلا عن ثواب هؤلاء الأنبياء الثلاثة (إسماعيل وإدريس وذي الكفل)؛ فكما صبروا على أمره وتكاليف رسالته، أدخلهم الله في رحمته العظيمة وجنته وعصمته وكرامته في الدنيا والآخرة، مبيناً أن استحقاقهم لهذه الرحمة كان بسبب صلاحهم الظاهر والباطن واستقامتهم الكاملة على منهاج التوحيد. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 528)مصدر غير محدد١٨/٥٢٨: «يقول تعالى ذكره: وأدخلنا إسماعيل وإدريس وذا الكفل في رحمتنا؛ أي في الجنة التي أعددناها لأوليائنا، ونبوتنا وعصمتنا في الدنيا، إنهم من الصالحين: إنهم كانوا من أهل الصلاح والعمل بطاعة الله والانتهاء إلى أمره ونهيه، فلذلك رحمناهم وأكرمناهم».
الآثار في سياق الآية: قال قتادة والسدي: «صبروا على طاعة الله فكافأهم الله بالرحمة والصلاح؛ فجمع لهم بين شرف النبوة في الدنيا وجنات النعيم في الآخرة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
أدخلناهم في رحمتنا: الإدخال في الشيء إحاطة الشيء به واستقراره في جوفه؛ والمراد إحاطة الرحمة بهم من كل جانب.
الصالحين: القائمون بحقوق الله وحقوق خلقه المستقرون على كمال التقوى.
الإعراب التركيبي:
وَأَدْخَلْنَاهُمْ: الواو عاطفة، وفعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به أول والميم للجمع.
فِي رَحْمَتِنَا: جار ومجرور متعلق بـ (أدخلناهم) أو مفعول ثان، و(نا) مضاف إليه.
إِنَّهُم: (إنّ) حرف توكيد ونصب، وهم اسمها.
مِّنَ الصَّالِحِينَ: جار ومجرور شبه جملة خبر (إنّ) مرفوع محلاً وعلامة الجر الياء؛ والجملة الاسمية تعليلية لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التطابق البنائي مع ختام قصة لوط: وردت هذه الآية بلفظها الدقيق في ختام قصة لوط في الآية (75): {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}، وتكررت هنا بصيغة الجمع: {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ}؛ لترسيخ وحدة الجزاء والسنّة الربانية: أن الرحمة الإلهية هي المآل المحتوم لكل من اتصف بالصبر والصلاح، سواء أكان فرداً أم جماعة.
ترتيب الجزاء على الصبر: في الآية السابقة وصفهم بـ {مِّنَ الصَّابِرِينَ}، وفي هذه الآية كافأهم بـ {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا}؛ لبيان أن الصبر بوابته المحنة، وثمرته الرحمة التامة والكرامة الأبدية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دخول الجنة بالعمل أم بالرحمة؟:
تقرير الإشكال العقلي والحديثي: قال تعالى هنا: {إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ} معللاً بالصلاح، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ... وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ»!
المحاكمة والجمع الأصولي والتحقيقي الراسخ:
لا تعارض بحمد الله؛ فباء الحديث باء العوض والثمنية؛ أي ليس العمل ثمناً مكافئاً لنعيم الجنة المطلق، وباء القرآن في آيات الجزاء هي باء السببية؛ فالعمل الصالح سبب جعله الله لنيل رحمته، ودخول الجنة إنما هو برحمة الله وفضله؛ ولذلك قال تعالى: {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا} فنسب الدخول إلى رحمته، وجعل صلاحهم سبباً وأمارة لاستحقاق هذه الرحمة المهداة.
جعل الرحمة بيتاً أو حصناً يُدخل فيه العبد يصور منتهى الأمان والسكينة التي يفيضها الله على قلوب أوليائه.
التأكيد بـ {إِنَّهُم} وتعليق الحكم بوصف الصلاح المشتق يؤذن بعلية الصلاح في استنزال الرحمات.
الإشارة التدبرية: مهما بلغت منزلتك وعبادتك، فإنك لا تستغني عن رحمة الله طرفة عين؛ فالأنبياء الكرام وهم صفوة الخلق أدخلهم الله في رحمته فنجوا وسعدوا؛ فاللهم شملنا برحمتك التي وسعت كل شيء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الجمع بين العمل الصالح والافتقار إلى الرحمة: يعمل المسلم الصالحات بكل جهده، ولا يتكل على عمله، بل يعلق رجاءه برحمة ربه وفضله.
عالمية الأخوة النبوية: شعور الموحد بالانتماء إلى هذا الموكب المبارك من الصالحين وحبهم وتوقيرهم.
الطمأنينة لعاقبة الصبر: الصبر في الدنيا يعقبه الخلود في رحمة الله وجناته.