تفسير الآية ومعناها: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم رداً على تناجيهم ومؤامراتهم الخفية، بأن الله المحيط بكل شيء يعلم كل ما دار في نجواهم وما خفي في صدورهم، كما يعلم كل قول ينطق به ناطق في أرجاء السماوات والأرض. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 413)مصدر غير محدد١٨/٤١٣: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء القائلين في نجواهم: {هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}: ربي الذي يعلم سركم ونجواكم لا يخفى عليه شيء من ذلك، كما لا يخفى عليه القول الذي ينطق به في السماء والأرض، وهو السميع لما نطق به خلقه من كلام، العليم بما أضمرته نفوسهم وأسرته قلوبهم، محص ذلك كله عليهم ليجازي كل عامل بعمله».
القراءات المتواترة في (قال):
قرأ الجمهور (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وشعبة عن عاصم): {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ} بفتح القاف وألف بعدها؛ فعلاً ماضياً مسنداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم حكاية لامتثاله.
وقرأ حفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي: {قُل رَّبِّي يَعْلَمُ} بصيغة الأمر (قل)؛ أي قل يا محمد لهم. والقراءتان كالآيتين تدلان على أن الله أمره بقول ذلك وهو امتثل وقال.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
القول: كل لفظ يعبر به عن المعنى سواء أكان سراً أم جهراً، والجمع أقوال وأقاويل.
السميع: صيغة مبالغة من السمع، وهو المحيط بجميع المسموعات فلا يعزب عن سمعه صوت خفي ولا جلي.
العليم: صيغة مبالغة من العلم، وهو المحيط بجميع المعلومات كلياتها وجزئياتها وظواهرها وبواطنها.
الإعراب التركيبي:
قَالَ: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على النبي صلى الله عليه وسلم (وعلى قراءة الأمر: قل فعل أمر والفاعل أنت).
رَبِّي: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء مضاف إليه.
يَعْلَمُ: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير مستتر يعود على الرب، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ.
الْقَوْلَ: مفعول به لـ (يعلم) منصوب بالفتحة الظاهرة؛ واستغراق المفرد المحلى بـ (أل) الجنسية يفيد عموم كل الأقوال.
فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ: جار ومجرور متعلق بـ (يعلم) أو بمحذوف حال من (القول)؛ أي القول الصادر والكائن في أرجاء السماوات والأرض.
وَهُوَ: الواو استئنافية، (هو) ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
السَّمِيعُ: خبر أول مرفوع بالضمة الظاهرة.
الْعَلِيمُ: خبر ثان مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الرد المباشر على الإسرار: لما قال في الآية السابقة: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى}، ناسب أن يواجههم في هذه الآية مباشرة بأن الإسرار والجهر عند الله سواء؛ فهو سبحانه يعلم النطق الصادر في أعلى السماوات من الملائكة وأسفل طباق الأرض من الإنس والجن.
اقتران السمع بالعلم: قدم (السميع) لمناسبة الرد على أقوالهم ونجواهم التي استرقوها، وأردفه بـ (العليم) لبيان إحاطته بدوافع تلك النجوى ومقاصدها وخبايا نفوسهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التوهم بعدم انكشاف المؤامرات:
تقرير الخلل الإدراكي: كان المشركون يظنون أنهم إذا أسروا الحديث في خلواتهم أو بين جدرانهم لم يصل خبره إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود في قصة الثلاثة عند البيت: «مَا تُرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلَامَنَا؟ فَقَالَ أَحَدُهُمْ: يَسْمَعُ إِنْ رَفَعْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا! فَنَزَلَتْ: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ}».
المحاكمة العقلية:
كمال الإلهية يستلزم كمال العلم: الإله الحق لا يتصور في حقه الجهل أو العجز عن إدراك الأصوات الخفية؛ فإن من أوجد الأصوات والألسنة لا يعزب عن سمعه صوت، ومن خلق الضمائر لا تغيب عنه خافية.
البرهان على صدق النبوة باطلاع النبي على الأسرار: إخبار النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بما أسروه وتناجوا به في دار الندوة برهان ساطع على اتصاله بوحي السماء وعلم علام الغيوب؛ إذ كيف لبشر أمي لا يتجسس عليهم أن يخبرهم بدقائق ما قالوا إلا بإعلام الله تعالى له؟!
استخدام صيغة الجنس {الْقَوْلَ} يفيد الشمول المطلق لكل صوت ولفظ وحركة نطق جرت في هذا الملكوت العريض.
الطباق بين {السَّمَاءِ} و{الْأَرْضِ} يحيط بأقطار الكون بأسره، فلا يفلت من رقابة الله حيز مكاني ولا زماني.
الإشارة التدبرية: إذا استقر في قلب العبد أن الله يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، استحيا لسانه أن ينطق بباطل، واستحيا قلبه أن يضمر سوءاً، وأورثه ذلك المراقبة التامة في السر والعلن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
طمأنينة قلب الداعية: على المصلح ألا يضيق ذرعاً بمؤامرات الخصوم؛ فإن ربه سميع لأقوالهم عليم بفسادهم، وهو ناصره وحافظه.
استشعار معية الله الرقابية: تربية النشء على أن التقوى لا تكتمل إلا بمراقبة الله في الخلوات؛ فمن راقب الله في سره طهرت علانيته.
التجرد والتفويض: اللجوء إلى الله بصفة الربوبية {رَبِّي} يشعر بالعناية والرعاية والاعتصام بالجناب الإلهي الأعلى.