تفسير الآية وتعليم داود صناعة الدروع والامتنان بالنعم الصناعية: يمتن الله تبارك وتعالى على عباده بنعمة جليلة ساقها على يد نبيه داود عليه السلام؛ حيث ألان الله له الحديد وعلمه كيف يصنع منه الدروع الحربية المنسوجة من الحلق المتقنة التي يلبسها المقاتلون في الحروب؛ لتقيهم ضربات السلاح والسيوف والسهام، وتحفظ دماءهم في المعارك؛ ثم وبخهم واستحثهم على شكر هذه النعم المسداة. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 516)مصدر غير محدد١٨/٥١٦: «يقول تعالى ذكره: وعلمنا داود صنعة لبوس لكم؛ يعني الدروع، وهي في كلام العرب كل ما يلبس من سلاح، وكانت الدروع قبله صفائح ثقالاً لا يستطيع المقاتل الحركة معها، فألان الله لداود الحديد كالعجين والشمع، فصنع منه الحلق الدقيقة ونسجها دروعاً سابغات خفيفة متداخلة الحلق؛ لتحصنكم من بأسكم: لتحفظكم وتمنعكم من طعن الرماح وضرب السيوف ورمي السهام في حروبكم؛ فهل أنتم شاكرون: أي فاشكروا الله على ما أنعم به عليكم من تعليمه داود صنعة هذه الدروع لوقايتكم».
الآثار في لين الحديد وصنعة الدروع:
قال قتادة والسدي وابن عباس: «كان الحديد قبل داود يضرب بالنار والمطارق صفائح ثقالاً، فألانه الله لداود بغير نار ولا مطرقة، فكان يثنيه بيده كالشمع والطين، وصنع أول درع حلقية مسرودة؛ كما قال تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: 10-11]».
وروى البخاري في صحيحه (رقم 2072)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٧٢ عن المقدام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
صنعة: الصنعة العمل المتقن المتوارث بالمهارة والتدريب.
لبوس: فعول بمعنى مفعول؛ وهو كل ما يلبس من اللباس، وغلب في الاستعمال العربي على الدروع والسلاح الملبوس للحرب، كما قال الشاعر: ولباسهم حلل الدروع.
لتحصنكم: التحصين المنع والحفظ والوقاية؛ والحصن المكان المنيع الذي لا يوصل إليه.
بأسكم: البأس الشدة في الحرب؛ وأريد به السلاح والطعن والضرب في المعارك.
الإعراب التركيبي:
وَعَلَّمْنَاهُ: الواو عاطفة، وفعل ماض وفاعله ومفعوله الأول (الهاء).
صَنْعَةَ: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مضاف.
لَبُوسٍ: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
لَّكُمْ: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ (لبوس) أو متعلق بـ (علمناه) لبيان المنفعة.
لِتُحْصِنَكُم: اللام لام التعليل حرف جر ونصب، و(تحصن) مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على الصنعة أو اللبوس (وقرئ بالياء: ليحصنكم ليعود على اللبوس أو الله، وبالنون: لنحصنكم)، والكاف مفعول به والميم للجمع؛ والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ (علمناه).
مِّن بَأْسِكُمْ: جار ومجرور متعلق بـ (تحصنكم)، والكاف مضاف إليه.
فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ: الفاء فصيحة، (هل) حرف استفهام يفيد الأمر والحث والطلب، (أنتم) ضمير منفصل مبتدأ، و(شاكرون) خبر المبتدأ مرفوع بالواو؛ والجملة الاسمية تفيد الأمر المؤكد؛ أي: فاشكروا الله على هذه النعمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المزج بين النعم الروحية والنعم الصناعية الحضارية: جمع السياق لداود بين كمال العبادة وتسبيح الجبال {يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ}، وبين المهارة الصناعية والتقنية الإنتاجية {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ}؛ ليقرر القرآن أن دين الأنبياء ليس رهبانية منعزلة، بل هو بناء حضاري يجمع بين خشوع المحراب وعمارة الأرض بالصناعة والتقنية النافعة.
الالتفات إلى الخطاب المباشر {لَّكُمْ} و{لِتُحْصِنَكُم}: التفت من سياق حكاية الغائب إلى خطاب البشر الحاضرين مباشرة؛ لتذكيرهم بمساس هذه النعمة لحياتهم اليومية وأمنهم القومي في الحروب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يعلم الله الأنبياء صناعة أدوات الحرب والسلاح؟:
تقرير الحكمة الشرعية والواقعية:
الدروع التي علمها الله لداود هي أدوات دفاعية وقائية وليست أسلحة عدوانية هجومية؛ فغاية اللبوس هي الحماية وحفظ الأرواح المعصومة من القتل {لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ}. والإسلام يقرر ضرورة الأخذ بأسباب القوة والتحصين الدفاعي لحماية الحق وردع العدوان وإقرار السلام: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].
قوله تعالى: {فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} استفهام خرج إلى معنى الأمر المؤكد بأبلغ أسلوب؛ كقوله تعالى: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}؛ أي: فاشكروا فوراً؛ لأن كثرة هذه النعم وعظمتها تستلزم الشكر التام بلا تردد.
التعبير بـ {لَبُوسٍ} على وزن (فَعُول) صيغة مبالغة تدل على متانة اللباس وكماله في الستر والحماية.
الإشارة التدبرية: كل علم تقني أو صناعي ينفع البشرية هو في أصله هبة وتعليم إلهي: {وَعَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}؛ فواجب الصانع والمهندس أن ينسب الفضل لخالقه ويعمل بمهنته في نصرة الحق وخدمة الناس وشكر النعمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة العمل الحرفي وعزة الكسب باليد: داود عليه السلام مع كونه ملكاً وقائداً عظيماً لم يكن يأكل إلا من عمل يده في الحدادة؛ مما يؤصل كرامة العمل والمهن اليدوية والصناعية ونبذ البطالة والتواكل.
الأخذ بالأسباب المادية والتقنية الدفاعية: التوكل على الله لا ينافي لبس الدروع واستعمال أحدث أدوات الحماية؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم ظاهر بين درعين يوم أحد.