تفسير الآية ومطالبة المشركين بالبرهان والشهادات الكبرى: يكرر الله تعالى التوبيخ للمشركين لاتخاذهم شركاء من دونه، ويأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتحداهم ويطالبهم بالدليل والبرهان العقلي أو النقلي على دعواهم؛ ثم يقدم لهم الشاهد التاريخي والنقلي القاطع: هذا القرآن ذكر أمتي ومن معي من المؤمنين، وتلك كتب الأنبياء السابقين كالتوراة والإنجيل والزبور ليس في واحد منها قط تسويغ للشرك بالله، بل كلها متفقة على التوحيد المحض، ولكن علة هؤلاء المشركين هي الجهل بالحق والإعراض العمدي عنه. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 436)مصدر غير محدد١٨/٤٣٦: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأنداد: هاتوا حجتكم وبرهانكم على ما تدعون من الآلهة أنها تستحق العبادة، هذا كتابي الذي أنزل عليّ فيه ذكر من معي وتذكيرهم وأحكامهم، وتلك كتب من قبلي من الرسل كالتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى؛ فهل تجدون في كتاب منها أن مع الله شريكاً يُعبد؟! كلا، بل إنما ألجأهم إلى الشرك جهلهم بالحق وإعراضهم عن التفكر والتدبر».
الآثار في معنى (ذكر من معي وذكر من قبلي): قال قتادة والسدي: «هذا ذكر من معي: يعني القرآن، وذكر من قبلي: يعني التوراة والإنجيل وسائر الكتب السابقة، وكلها ناطقة بالتوحيد آمرة بعبادة الله وحده لا شريك له».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
البرهان: الحجة القاطعة النيرة التي تبيّن الحق وتفرقه عن الباطل؛ وأصله من البره وهو البياض الناصع والصفاء.
الذكر: الكتاب والموعظة والبيان والشرع؛ واستعمل هنا في الكتب الإلهية المنزلة.
الإعراب التركيبي:
أَمِ: حرف إضراب واستفهام إنكاري منقطع.
اتَّخَذُوا: فعل ماض وفاعله.
مِن دُونِهِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من (آلهة) أو بالفعل (اتخذوا).
آلِهَةً: مفعول به أول لـ (اتخذوا)، والمفعول الثاني محذوف تقديره معبودين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قواعد الاستدلال العلمي والمنهجي: أسست الآية المنهج المعرفي الأصيل في الإسلام؛ فالدعاوى لا تقبل إلا بالبرهان {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}، والبرهان إما:
برهان عقلي قطعي، وقد فُصل في الآيات السابقة (كنفي الفساد وبرهان التمانع).
أو برهان نقلي تاريخي متواتر، وقد حُسم هنا باستعراض موكب الكتب والرسالات {هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي}؛ فلم يدع القرآن للمبطلين أي مسلك يستندون إليه.
كشف العلة النفسية الحقيقية: أضرب بـ (بل) ليكشف السر الدفين وراء بقاء المشركين على ضلالهم؛ فالعلة ليست قصوراً في براهين التوحيد، وإنما هي الجهل المطبق المركب المقرون بالإعراض والتكبر: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُم مُّعْرِضُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاحتجاج بتقليد الآباء أو الأغلبية:
تقرير الخلل في العقلية الشركية: كانت قريش تحتج بالعرف الموروث وكثرة الممارسين للشرك!
المحاكمة وتفنيد الشبهة:
الآية أسقطت حجية العرف الموروث والتقليد المجرد بمطالبتهم بالبرهان؛ فالكثرة المجردة لا تصنع حقاً، والجهل المقترن بالإعراض مانع من الرؤية السليمة. إن الحق يعرف بذاته وببراهينه، لا بالهوى الموروث.
الأمر في {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} أمر تعجيز وإفحام صريح؛ لأنهم لا يملكون أثارة من برهان على عبادة الأصنام.
الإتيان باسم الإشارة للقريب {هَٰذَا} للإشارة إلى القرآن وتنزيله المتاح بين أيديهم ليتدبروه ويتفحصوا نصوصه.
الإشارة التدبرية: من رحمة الله أن جعل شريعته مبنية على الدليل الواضح؛ فلا يُطلب من العبد أن يؤمن بخرافة ولا أن يقبل دعوى بغير برهان؛ وهذا هو الفارق الجوهري بين دين التوحيد وسائر الديانات المحرفة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تأصيل منهجية البرهان في الدعوة: على الداعية أن يربي الناس على طلب الأدلة ونبذ التقليد الأعمى والشائعات؛ فالحق أبلج والباطل لجلج.
معالجة داء الإعراض: الإعراض عن تعلم الدين والوحي أصل كل شر؛ فواجب المسلم أن يتعلم دينه حتى يعبد ربه على بصيرة.
الارتباط بكتب السماء المنزلة: الإيمان بالكتب السابقة وتصديق ما دعت إليه من التوحيد الصافي يرسخ في قلب المسلم الشعور بامتداد هذا النور عبر التاريخ البشري كله.