تفسير الآية وتصوير الفزع والفرار: يصور الله تعالى حال أهل تلك القرى الظالمة عندما عاينوا نزول العذاب وبواكير البأس الإلهي؛ فإذا هم يفرون ويهربون على وجوههم مسرعين كأنهم دواب تركض طلباً للنجاة بعد فوات الأوان. قال ابن جرير الطبري (ج 18، ص 422)مصدر غير محدد١٨/٤٢٢: «يقول تعالى ذكره: فلما رأى هؤلاء القوم الظالمون بأسنا، وهو عذابنا ونقمتنا قد حلت بهم، فتيقنوا الهلاك، إذا هم من قريتهم يركضون؛ يهربون هرباً سريعاً مسرعين في مشيهم كركض الخيل فراراً من العذاب، ولات حين مناص».
المراد بـ (أحسوا): قال ابن عباس وقتادة: أحسوا: أي عاينوا ورأوا بأعينهم وتيقنوا وقوع العذاب وحضور أسبابه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
أحسوا: من الإحساس، وهو إدراك الشيء بالحواس الظاهرة كالبصر والسمع واللمس؛ والمراد به تيقن الأمر تيقناً حسياً قاطعاً لا يقبل الشك.
إذا: فجائية، تدل على المفاجأة والسرعة في تحول الحال.
يركضون: الركض هو شدة العدو والدفع بالرجلين؛ يقال: ركض الدابة إذا ضربها برجله لتسرع، وركض الرجل إذا عدا مسرعاً مذعوراً.
الإعراب التركيبي:
فَلَمَّا: الفاء عاطفة، (لما) رابطة شرطية أو ظرفية حينية مبنية على السكون.
أَحَسُّوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة فعل الشرط.
بَأْسَنَا: مفعول به لـ (أحسوا) منصوب بالفتحة، و(نا) مضاف إليه.
إِذَا: فجائية رابطة لجواب الشرط قائمة مقام الفاء.
هُم: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
مِّنْهَا: جار ومجرور متعلق بـ (يركضون)، والضمير يعود على القرية أو من نقمة البأس.
يَرْكُضُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ؛ وجملة المبتدأ والخبر جواب الشرط لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المفاجأة والانهيار السريع: الجمع بين (فلما) و(إذا الفجائية) يبرز المفارقة الهائلة بين عنفوان استكبارهم السابق في دار الندوة ومجالس الكفر، وبين ذلهم وانهيارهم التام بمجرد إحساسهم بطلائع العذاب؛ فما هي إلا لحظة الإدراك الحسي حتى تبدل التكبر فراراً هستيرياً وهزيمة منكرة.
استعمال صيغة المضارع في {يَرْكُضُونَ}: استحضار للصورة العجيبة كأن السامع يراهم بأم عينه وهم يتعثرون ويركضون في شوارع قراهم مذعورين كالفئران المذعورة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة محاولة الفرار من القضاء الإلهي:
تقرير الحماقة التكذيبية: كيف يتوهم عاقل أنه يستطيع الركض والفرار على قدميه من عذاب رب السماوات والأرض المحيط بكل شيء؟!
المحاكمة وتفنيد الشبهة:
هذا التصرف ليس ناتجاً عن تفكير منطقي، بل هو سلوك اضطراري غريزي يسيطر على الإنسان عند صدمة الرعب الشديد؛ فالكافر الذي كان يكذب بالبعث والوعيد حين يصطدم بحقيقة العذاب تسقط عنه أردية الفلسفة الكاذبة، وتسيطر عليه غريزة البقاء فيحاول الركض عبثاً، ولكن أنى يفلت مخلوق من سلطان الخالق وقبضته؟!
تصوير حركة الفرار بلفظ {يَرْكُضُونَ} يجسد مشهد الهلع بأدق حركاته؛ فالركض ضرب الأرض بالأقدام بشدة وتلاحق، وهو أبلغ من مجرد الهروب.
إضافة البأس إلى ضمير الجلالة {بَأْسَنَا} تفيد التعظيم والتهويل وتجعل العذاب مستحيلاً دفعه بأي قوة بشرية.
الإشارة التدبرية: يا حسرة على من يهرب من طاعة ربه في زمن الرخاء والمهلة، فإذا جاء وقت الشدة والبأس طلب الهرب فلم يجد ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استثمار زمن السلامة والمهلة: العاقل يبادر بالتوبة والفرار إلى الله قبل أن يفجأه الموت أو البأس: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الذاريات: 50].
سقوط القوى المادية أمام أمر الله: مهما بلغت تحصينات الطغاة وقلاعهم، فإنها تتهاوى في لحظة إذا نزل بأس الله.
الخشية في الغيب: فضيلة الإيمان أن تؤمن بالبأس قبل إحساسه؛ أما الإيمان والفرار بعد معاينة العذاب فلا ينفع صاحبه شيئاً.