تفسير الآية وانقلاب مكر الطغاة خسراناً مبيناً: يخبر الله تعالى عن المآل النهائي لذلك الصراع العظيم؛ فبعد أن دبر نمرود وقومه كيداً عظيماً ومكراً مبيناً لإبراهيم ليمحقوا دعوته ويحرقوا جسده، أبطل الله كيدهم، ورد مكرهم في نحورهم، وجعلهم الأخسرين صفقة في الدنيا والآخرة؛ فلم تظفر آلهتهم بنصرة، وبطلت هيبتهم أمام الجماهير، وسقطت دولتهم، وخسروا دنياهم بالذل وعذاب الاستئصال، وخسروا آخرتهم بنار جهنم. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 497)مصدر غير محدد١٨/٤٩٧: «يقول تعالى ذكره: وأراد قوم إبراهيم بإبراهيم كيداً ومكراً بالتحريق في النار، فجعلناهم الأخسرين: أي أخسر الناس صفقة وأخيبهم سعياً؛ أهلكهم الله ودمر عليهم، وأنجى خليله سالماً معافى ظاهراً بالحجة والبرهان، فكانوا هم الخاسرين في الدنيا بنزول النقمة وبطلان كيدهم، وفي الآخرة بالخلود في نار جهنم».
الآثار في خسرانهم وهلاك نمرود: روى السدي وابن إسحاق: «أرسل الله على نمرود وقومه جنداً من البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت بعوضة في منخر نمرود ومكثت في دماغه أربعمائة سنة يعذب بها ويُضرب رأسه بالمرازيب حتى هلك؛ فكان هذا خسرانهم في الدنيا بعد أن استكبروا على الله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الكيد: التدبير بالاحتيال والمكر لإلحاق الضرر بالخصم سراً أو علانية.
الأخسرين: جمع الأخسر؛ وهو صيغة تفضيل من الخسران، والخسران فوات رأس المال والأرباح معاً؛ والأخسر هو البالغ الغاية القصوى في الضياع والحرمان والخيبة.
الإعراب التركيبي:
وَأَرَادُوا: الواو عاطفة، فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل.
بِهِ: جار ومجرور متعلق بـ (أرادوا) أو بـ (كيداً).
كَيْدًا: مفعول به لـ (أرادوا) منصوب بالفتحة الظاهرة.
فَجَعَلْنَاهُمُ: الفاء عاطفة للتعقيب والترتيب، وفعل ماض وفاعله (نا)، والهاء مفعول به أول والميم للجمع وحركت بالضم للاتباع.
الْأَخْسَرِينَ: مفعول به ثان لـ (جعلنا) منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الصارمة بين إرادة الخلق وإرادة الخالق: بني النظم على مقابلة قاطعة:
هم أرادوا: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا}.
والله قضى وجعل: {فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}.
فبينت الآية أن إرادات البشر ومؤامرات الجبابرة مهما بلغت من القوة والاجتماع والعتاد فإنها تتلاشى وتتحول إلى خسران ساحق أمام إرادة الله القاهرة: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].
إيثار صيغة التفضيل {الْأَخْسَرِينَ}: لم يقل (فجعلناهم خاسرين)، بل أتى بـ (الأخسرين) المحلاة بأل المفيدة للاستغراق؛ للدلالة على أنهم خسروا كل شيء: خسروا المنطق والمناظرة، وخسروا هيبة آلهتهم، وخسروا معركة النار، وخسروا أرواحهم ودنياهم وأخراهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة انتصار الباطل في المظاهر العاجلة:
تقرير الإشكال في موازين القوى الدنيوية: كيف يوصف الطغاة بأنهم الأخسرون وهم يملكون الجيوش والقصور والذهب وقت الحادثة؟!
المحاكمة والسنن الإلهية:
موازين الربح والخسارة الحقيقية لا تقاس بلحظة عابرة ولا بعرض دنيوي زائل؛ فالخسارة الكبرى هي خسارة الحجة، وخسارة الضمير، وخسارة مرضاة الله ومصير الأبد في جهنم؛ ونمرود وجنوده ماتوا شر ميتة وصاروا لعنة في التاريخ وأثراً للخزي، بينما بقي إبراهيم إماماً للمتقين وشيخ الأنبياء يخلد الله ذكره إلى يوم الدين.
تنكير {كَيْدًا} أفاد التهويل والتفخيم؛ أي كيداً عظيماً هائلاً اجتمعت عليه الدولة والأمة بأسرها، ومع هذا الكيد الهائل جعلهم الله الأخسرين بحرف الفاء الدال على سرعة تحول المكر عليهم.
الإشارة التدبرية: من حارب أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة؛ ومن حارب الله فهو مخذول مخسور لا محالة: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ» (حديث قدسي رواه البخاري).
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بانقلاب مكر الأعداء عليهم: المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله؛ فكل مؤامرة تُحاك ضد الإسلام ترجع في النهاية خسراناً ووبالاً على صانعيها.
الاستعلاء بالإيمان في مواجهة القوى العظمى: إبراهيم هزم دولة بابل بإيمانه وتوكله؛ فالمؤمن لا يستخذي أمام القوى المادية الزائفة.
النظر في عواقب الأمور: العاقبة الحميدة للتقوى والمتقين؛ فليصبر الداعية حتى يرى وعد الله منجزاً.