تفسير الآية وإحاطة العلم وشروط الشفاعة: يخبر الله تعالى عن إحاطة علمه التام المحيط بكل أحوال الملائكة؛ ما مضى من أمرهم وما يستقبلونه، وما قدموا وما أخروا من أعمالهم؛ وأن هؤلاء الملائكة المكرمين لا يستطيعون الشفاعة لأحد كائناً من كان إلا لمن رضي الله قوله وعمله من أهل الإيمان والتوحيد، وهم مع علو منزلتهم وقربهم في غاية الوجل والخوف والإشفاق من هيبة الله وجلاله. قال ابن كثير (ج 5، ص 342)مصدر غير محدد٥/٣٤٢: «يقول تعالى مخبراً عن إحاطة علمه بخلقه ولا سيما الملائكة: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي ما تقدم من أمورهم وما يستقبلون منها، {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ} كقوله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]، وكقوله: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23]؛ فهم لا يشفعون لأحد إلا لمن ارتضى الله دينه وأمره وأذن لهم في الشفاعة له، وهم من خشيته مشفقون: أي خائفون وجلون خاضعون لعظمته».
الآثار في معنى (لمن ارتضى): قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: «لا يشفعون إلا لأهل التوحيد والإخلاص الذين رضي الله عنهم وتوفاهم على دينه الحق؛ أما المشركون والكفار فلا شفاعة لهم، ولا يرتضي الله شفاعة فيهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
ما بين أيديهم وما خلفهم: كناية عن الإحاطة الزمانية والمكانية التامة بأحوالهم المستقبلية والماضية، وظواهرهم وبواطنهم.
يشفعون: الشفاعة ضم غيرك إلى نفسك في طلب منفعة أو دفع مضرة، مأخوذة من الشفع وهو ضد الوتر.
ارتضى: افتعل من الرضا، وهو قبول الشيء واستحسانه شرعاً؛ والمراد أهل الرضا بالتوحيد.
مشفقون: الإشفاق هو رقة الخوف وعظيم الوجل مع الحذر والتعظيم، مأخوذ من الشفق وهو الحمرة الرقيقة بعد الغروب.
الإعراب التركيبي:
يَعْلَمُ: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر يعود على الله تعالى؛ والجملة مستأنفة مقررة لعلمه المحيط أو نعت لاسم الجلالة.
مَا: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (يعلم).
بَيْنَ: ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف صلة الموصول، وهو مضاف.
أَيْدِيهِمْ: مضاف إليه مجرور بالكسرة المقدرة، والضمير مضاف إليه.
يَشْفَعُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
إِلَّا: أداة استثناء وحصر ملغاة.
لِمَنِ: اللام حرف جر، و(من) اسم موصول في محل جر متعلق بـ (يشفعون).
ارْتَضَىٰ: فعل ماض مبني على الفتح المقدر للتعذر، والفاعل هو يعود على الله، والعائد محذوف تقديره ارتضاه؛ والجملة صلة الموصول.
وَهُم: الواو حالية، (هم) ضمير منفصل مبتدأ.
مِّنْ خَشْيَتِهِ: جار ومجرور متعلق بالخبر (مشفقون)، والهاء مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله؛ أي من خشيتهم له سبحانه.
مُشْفِقُونَ: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام شروط الشفاعة الشرعية وتفكيك أوهام الشرك: هذه الآية الكريمة حلقة مركزية في حسم قضية الشفاعة في القرآن؛ فقد بينت شرطي الشفاعة:
إذن الله للشافع (المفهوم من قوله: لا يسبقونه وهم بأمره يعملون).
ورضا الله عن المشفوع له: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ}. فإذا انتفى الرضا عن الكافر المشرك، بطلت شفاعة الملائكة له وزهقت آماله.
الاقتران بين العلم والخوف: بدأت الآية بإحاطة العلم الإلهي {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}، وختمت بإشفاق الملائكة وخوفهم {وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}؛ للدلالة على أن الملائكة لما كانوا أعلم الخلق بجلال الله وعظمته كانوا أشد الخلق خوفاً منه ووجلاً من سطوته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة شفاعة الأصنام والملائكة للمشركين:
تقرير الخلل الشركي: قال المشركون: {هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [يونس: 18]!
المحاكمة والرد القرآني القاطع:
الآية أثبتت أن الشفاعة ملك لله وحده لا يملكها أحد سواه: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 44]، والملائكة لا يجرؤون على التقدم بالشفاعة إلا لمن رضي الله قوله وعمله؛ والله لا يرضى لعباده الكفر أبداً: {وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7]؛ فاستحال عقلاً وشرعاً أن تشفع الملائكة لمشرك كافر يعبد غير الله، فصارت آمال المشركين في الشفاعة أوهاماً سرابية تزيدهم ضلالاً ووبالاً.
النفي والاستثناء {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ} أسلوب قصر يحسم الباب قطعاً على أي شفاعة خارج إطار الرضا والتوحيد.
تقديم الجار والمجرور {مِّنْ خَشْيَتِهِ} على الخبر {مُشْفِقُونَ} لبيان أن خوفهم ليس ناتجاً عن علة دنيوية ولا تقصير، بل ناشئ عن تعظيمهم لجلال الرب ومهابته.
الإشارة التدبرية: كلما ازداد العبد معرفة بالله وأسمائه وصفاته، ازداد قلبه خشية ووجلاً وإشفاقاً؛ فالخشية ثمرة العلم الحقيقي: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحقيق التوحيد لنيل الشفاعة: الشفاعة لا تنال بعبادة الشفعاء والتملق لهم، بل تنال بإخلاص التوحيد للرب المشفوع عنده؛ قال صلى الله عليه وسلم لما سئل: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» (رواه البخاري).
الجمع بين الرجاء والخوف: على المسلم أن يقتدي بالملائكة في دوام الخشية والإشفاق من مكر الله، فلا يغتر بعمله ولا يركن إلى الأماني الباطلة.
مراقبة الله العليم: استشعار أن الله يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا يثمر الحياء من الله ومراقبته في الخلوات والجلوات.