تفسير الآية والسنن التاريخية: يجيب الله سبحانه عن طلبهم السابق للآيات الحسية {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ}، ببيان حكمة عدم إجابتهم؛ وهي أن الأمم السابقة حين طلبت الآيات وأعطيت ما سألت لم تؤمن، بل أصرت على الكفر، فحق عليها الإهلاك العام، وهؤلاء المشركون ليسوا بألين قلوباً ولا بأعظم استعداداً للإيمان من أسلافهم. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 416)مصدر غير محدد١٨/٤١٦: «يقول تعالى ذكره: ما آمن قبل هؤلاء المشركين من قريش من أهل قرية سألوا معجزات رسولهم كالذي سأل هؤلاء، فلما أتاهم رسولهم بها جحدوها وكذبوا، فأهلكناهم عند ذلك باستئصالنا إياهم؛ أفهؤلاء المشركون من قريش يؤمنون إن جاءتهم الآيات المقترحة؟! كلا، بل هم أحرى بالتكذيب والهلاك لو أتاهم ما سألوا».
الآثار في نزول الآية ورأفة الله بالأمة: روى الإمام أحمد والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سألت قريش النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، فقال: إن شئتم استأنيت بكم، وإن شئتم آتيتكموه، فإن كفرتم هلكتم كما هلك من كان قبلكم، قالوا: لا بل استأنِ بنا؛ فأنزل الله هذه الآية: {مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ۖ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
القرية: في أصل اللغة الموضع الذي يجتمع فيه الناس من قريت الماء في الحوض إذا جمعته، والمراد بها هنا: أهل القرية وسكانها على حذف مضاف شائع.
أهلكناها: استأصلناها بالعذاب الدنيوي الناجز جزاء تكذيبهم بعد مجيء الآيات.
الإعراب التركيبي:
مَا: نافية لا عمل لها.
آمَنَتْ: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث.
قَبْلَهُم: ظرف زمان منصوب متعلق بـ (آمنت)، والضمير مضاف إليه.
أَهْلَكْنَاهَا: فعل ماض وفاعله ومفعوله، والجملة في محل جر نعت ثان لـ (قرية)، أو في محل رفع بحسب المحل؛ والمقصود: قرية مقدر إهلاكها أو محكوم بإهلاكها عند التكذيب.
أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ: الهمزة للاستفهام الإنكاري الاستبعادي التقريري؛ أي لا يؤمنون أبداً، والفاء عاطفة على مقدر محذوف؛ أي: أهلكنا الأولين بتكذيبهم فهل يؤمن هؤلاء؟ (هم) مبتدأ، وجملة (يؤمنون) خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الرد الحاسم على التعنت: ارتبطت الآية بما قبلها ارتباط النتيجة بالسبب؛ فطلبهم للآيات الحسية رد عليه بالواقع التاريخي الثابت؛ فالعلة في عدم إيمانهم ليست نقص البراهين، وإنما قسوة القلوب ومرض النفوس.
إيجاز الحذف والإضمار: في قوله: {مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} إيجاز بليغ؛ وتقديره: من أهل قرية جاءتهم الآيات فكذبوا فأهلكناهم؛ فحذف مجيء الآية والتكذيب لدلالة السياق والتركيب السابق عليه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاحتجاج بحتمية الهلاك:
تقرير الإشكال: هل يستلزم الإهلاك عدم الإيمان أم أن عدم الإيمان هو سبب الإهلاك؟
المحاكمة وتفنيد الشبهة:
الآية بينت أن الإهلاك كان نتيجة حتمية للكفر بعد معاينة الآيات التي اشترطوها؛ فالإنسان المعاند إذا عاين الآية العيانية القاهرة ولم يؤمن بها، فقد أغلق على نفسه باب الهداية وسقطت عنه كل مهلة، فاستحق العقوبة العاجلة. واستفهام الإنكار {أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} حكم عقلي استقرائي بأن طبيعة الاستكبار واحدة في كل العصور، وأن الكفر لا يزول بتبدل صور المعجزات إذا كانت الإرادة فاسدة.
تأكيد النفي بـ {مِنْ} الاستغراقية في {مِّن قَرْيَةٍ} يبين عدم شذوذ أي حالة تاريخية سابقة؛ فكل قرية اقترحت معجزة ثم كذبت استؤصلت.
الاستفهام في {أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} يحمل في طياته أسلوب التهكم والتقريع البليغ؛ كأنه يقول: هل لهؤلاء ميزة في العقول أو طهارة في النفوس تجعلهم يستجيبون للآيات حيث عجزت عنها الأمم السابقة؟! بل هم أشد عتواً وأعظم غفلة.
الإشارة التدبرية: من رحمة الله بعباده ألا يعطيهم كل ما يقترحونه؛ فكم من مطلوب يظن المرء فيه صلاحه وفلاحه ويكون في حقيقته سبباً في هلاكه وقطيعته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قراءة السنن الإلهية في التاريخ: التاريخ الإنساني ليس حوادث عشوائية، بل محكوم بسنن إلهية ثابتة لا تحابي أحداً: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}.
الحذر من الجرأة على طلب العقوبات أو الآيات: كان السلف يسألون الله العافية ويكرهون التعنت واقتراح المسائل، ويحثون على التسليم لنصوص الوحي دون تطلب خوارق حسية.
تثمين نعمة القرآن المستمرة: القرآن هو الآية الهادية التي لا تورث هلاكاً لمن أبصرها، بل تفتح له أبواب الرحمة والنجاة في الدارين.