تفسير الآية وإعجاز ولادة يحيى وأسباب استجابة الدعاء الكبرى: يخبر الله جل وعلا عن سرعة استجابته لنبيه زكريا؛ فوهب له ابنه يحيى عليه السلام؛ وهو نبي كريم حصور آتاه الله الحكم صبياً ولم يجعل له من قبل سمياً، وأصلح الله له زوجته العاقر الكبيرة؛ فجعلها ولوداً صالحة مهيأة للحمل بعد اليأس والعقم؛ ثم كشف الله تعالى السر الإيماني والعلة العظيمة وراء سرعة استجابة دعائهم وإكرامهم بهذه الخوارق؛ وهي ثلاثة أوصاف جليلة اتصف بها هذا البيت النبوي المبارك:
المسارعة في فعل الخيرات والمبادرة إليها.
التوجه إلى الله بالدعاء الدائم الجامع بين الرغبة في ثوابه والرهبة من عقابه.
كمال الخشوع والذل والتواضع لله في السر والعلن. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 536)مصدر غير محدد١٨/٥٣٦: «يقول تعالى ذكره: فأجبنا لزكريا دعاءه، ووهبنا له يحيى ولداً تقياً نبياً، وأصلحنا له زوجه؛ وكانت عاقراً لا تلد، فأصلح الله رحمها وطهرها وجعلها ولوداً في كبرها، إنهم؛ يعني زكريا وزوجه وابنه يحيى، كانوا يسارعون في الخيرات: يبادرون إلى الطاعات وأعمال البر ولا يسوفون، ويدعوننا رغباً ورهباً: يدعون الله طمعاً في رحمته وجنته، وخوفاً من عذابه وعقابه، وكانوا لنا خاشعين: خاضعين متذللين، وجلين مطيعين، لا يستكبرون عن عبادتنا».
الآثار في معنى (أصلحنا له زوجه):
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: «أصلحها بأن جعلها تلد بعد أن كانت عاقراً لا تلد، ورزقها الحيض والولد بعد الكبر».
وقيل في أثر آخر رواه عطاء: «كان في لسانها وخلقها شراسة فأصلح الله خلقها ورزقها الولد»، والجمع أتم؛ فأصلح الله رحمها بالولادة وخلقها بالطاعة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
يحيى: اسم توقيفي سماه الله به؛ وسماه يحيى لأنه حيي بنور الإيمان والنبوة، أو لأن الله أحيا به عقم أمه.
يسارعون في الخيرات: المسارعة المبادرة الحثيثة إلى فعل الطاعات والسبق إليها دون توانٍ ولا كسل.
رغباً ورهباً: الرغب شدة الطمع والرجاء في الفضل والنعيم؛ والرهب شدة الخوف والوجل والخشية من العقاب.
خاشعين: الخشوع سكون الجوارح وتذلل القلب وخضوعه لعظمة الله تعالى.
الإعراب التركيبي:
فَاسْتَجَبْنَا: الفاء عاطفة تفيد السرعة والتعقيب، وفعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
لَهُ: جار ومجرور متعلق بـ (استجبنا).
وَوَهَبْنَا: الواو عاطفة، فعل ماض وفاعله.
لَهُ: متعلق بـ (وهبنا).
يَحْيَىٰ: مفعول به أول منصوب بالفتحة المقدرة للتعذر (ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل).
وَأَصْلَحْنَا: الواو عاطفة، فعل ماض وفاعله.
لَهُ: متعلق بـ (أصلحنا).
زَوْجَهُ: مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
إِنَّهُمْ: (إنّ) حرف توكيد ونصب، وهم اسمها يعود على زكريا وأهله.
رَغَبًا: مفعول لأجله منصوب بالفتحة، أو مصدر في موضع الحال؛ أي راغبين.
وَرَهَبًا: معطوف منصوب بالفتحة؛ أي وراهبين.
وَكَانُوا: الواو عاطفة، كان واسمها.
لَنَا: جار ومجرور متعلق بالخبر (خاشعين) قدم لإفادة الحصر والاختصاص.
خَاشِعِينَ: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الكشف عن أسرار إجابة الدعاء ومفاتيح الخوارق: بعد أن استعرض النعم العظيمة (هبة يحيى وإصلاح الزوجة)، علل ذلك بالجملة التوكيدية المصدرة بـ (إنّ): {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ...}؛ ليضع أمام الأمة المنهج العملي لاستنزال المعجزات والبركات؛ فمن أراد أن يُستجاب دعاؤه فليقتدِ بهؤلاء في المسارعة في الخيرات والجمع بين الخوف والرجاء ودوام الخشوع.
تكرار لفظ {لَهُ} ثلاث مرات: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}؛ لتصوير غزارة الكرم والفيض الإلهي الخاص الموجه لشخص زكريا إكراماً له وتطييباً لخاطره وجبراً لقلبه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يقترن الخوف بالرجاء في عبادة الأنبياء؟:
تقرير كمال التوازن الإيماني: زعم بعض المتصوفة المنحرفين أن عبادة الله بالخوف والرجاء عبادة ناقصة، وأن العبادة يجب أن تكون بالحب المحض دون طمع في جنة ولا خوف من نار!
المحاكمة والرد القرآني السلفي الصارم:
الآية تدمغ هذا الانحراف الصوفي وتثبت أن أكمل الخلق عبودية وهم الأنبياء والمرسلون كانوا يعبدون الله رغباً ورهباً: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا}؛ فالخوف والرجاء جناحا طائر الإيمان؛ فإذا طار العبد بالحب والرجاء والخوف استقام سيره، أما إسقاط الخوف فيورث الأمن من مكر الله، وإسقاط الرجاء يورث القنوط من رحمة الله؛ وعبادة السلف الصالح تجمع بين أركان العبادة الثلاثة: المحبة والخوف والرجاء.
قال: {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} ولم يقل (إلى الخيرات)؛ لأن المسارعة (إلى) تكون من خارج الأمر، أما المسارعة (في) فتدل على أنهم استقروا في بيئة الخيرات فهم يتقلبون في أرجائها مسارعين في كل شعبة من شعبها لا يفوتهم باب من أبواب البر إلا ولجوه.
تقديم الجار والمجرور {لَنَا} في قوله {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} لقصر الخشوع والتذلل على الله وحده؛ فلم يخشعوا لملك ولا لدنيا ولا لرهبة مخلوق.
الإشارة التدبرية: تريد استجابة دعائك وكشف كربك وصلاح أهلك وذريتك؟ فتش في سيرتك: هل أنت مسارع في الخيرات، جامع بين الرغبة والرهبة، خاشع لله في خلواتك وصلواتك؟! فإن الله يجازي العباد من جنس أعمالهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صلاح البيوت والزوجات بيد الله: لجوء الزوج إلى الله بالدعاء والعمل الصالح لإصلاح زوجه وأهله: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}؛ فصلاح الأهل منحة ربانية تستجلب بالطاعات.
المبادرة إلى الطاعات وترك التسويف: المسارعة في الخيرات ديدن الصالحين؛ فالمؤمن يبادر بالصدقة والصلاة والبر قبل فوات الأوان.
الجمع بين الخوف والرجاء في سائر العبادات: حسن التوازن القلبي بين الطمع في رحمة الله والحذر الشديد من عذابه ومكره.