تفسير الآية وقاعدة وحدة الرسالات والتوحيد: تقرر هذه الآية الكريمة المحكمة الأصل الكلي الأعظم والجامع المشترك بين جميع الأنبياء والمرسلين من لدن آدم ونوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم؛ وهو التوحيد الخالص لله تعالى وإفراده بالعبادة ونفي الشريك والند عنه في ربوبيته وإلهيته. قال ابن كثير (ج 5، ص 340)مصدر غير محدد٥/٣٤٠: «يقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}، كقوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والفطرة شاهدة بذلك أيضاً، والمشركون لا برهان لهم ولا حجة معهم، بل شأنهم التكذيب والضلال».
الآثار في وحدة دين الأنبياء: روى البخاري (رقم 3443)مصدر غير محددحديث رقم ٣٤٤٣ ومسلم (رقم 2365)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٦٥ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ». ومعناه أن شرائعهم وتفاصيل أحكامهم وفروعهم تتنوع بحسب الزمان والمكان، ولكن أصل دينهم وعقيدتهم واحد وهو التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الرسول: إنسان ذكر حر اصطفاه الله وأوحى إليه بشرع وأمره بتبليغه.
لا إله إلا أنا: كلمة التوحيد العظمى، وتتضمن نفياً تاماً لكل ما يعبد من دون الله، وإثباتاً خالصاً للعبودية لله وحده.
فاعبدون: العبادة كمال الذل والخضوع مع كمال الحب والتعظيم، وحذفت ياء المتكلم للتخفيف ورعاية الفاصلة.
الإعراب التركيبي:
وَمَا: الواو عاطفة أو استئنافية، (ما) نافية مهملة.
أَرْسَلْنَا: فعل ماض مبني على السكون وفاعله (نا).
مِن قَبْلِكَ: جار ومجرور متعلق بـ (أرسلنا)، والكاف مضاف إليه.
مِن رَّسُولٍ: (من) حرف جر زائد لتوكيد استغراق النفي، و(رسول) مفعول به لـ (أرسلنا) مجرور لفظاً منصوب محلاً.
إِلَّا: أداة حصر واستثناء ملغاة.
نُوحِي: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة للثقل، والفاعل نحن؛ والجملة في محل نصب حال بتقدير قد، أو نعت ثان لـ (رسول).
إِلَيْهِ: جار ومجرور متعلق بـ (نوحي).
أَنَّهُ: (أنّ) حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير الشأن مبني في محل نصب اسمها.
لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا: (لا) نافية للجنس تعمل عمل إن، و(إله) اسمها مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره (حق)، و(إلا) أداة استثناء وحصر، و(أنا) ضمير منفصل بدل من الضمير المستتر في الخبر المحذوف؛ وجملة التوحيد في محل رفع خبر (أنّ)، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها في محل نصب مفعول به أو بنزع الخافض لـ (نوحي).
فَاعْبُدُونِ: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر، و(اعبدوا) فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء المحذوفة ياء المتكلم ضمير مفعول به في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إثبات دعوى الآية السابقة وتفسيرها: لما قال في الآية السابقة: {هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي}، صرح في هذه الآية بالجوهر المشترك الذي احتوت عليه تلك الذكريات والكتب المنزلة؛ فبين أن كل رسول أُرسل في تاريخ البشرية إنما كان مبعثه ورسالته منحصرة في نداء واحد: {لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}.
الانتقال من صيغة الغيبة إلى التكلم المفرد: قال أولاً: {أَرْسَلْنَا} و{نُوحِي} بنون العظمة، ثم لما وصل إلى كلمة التوحيد والعبادة قال: {أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}؛ لترسيخ الفردانية والوحدانية المطلقة في مقام العبادة والألوهية، فلا مجال لأي مشاركة أو تعدد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعدد الأديان واختلاف العقائد الأصلية:
تقرير الإشكال عند المقارنين للأديان: يزعم بعض المؤرخين والمستشرقين أن الأديان تطورت من تعدد الآلهة والوثنية إلى التوحيد، وأن التوحيد فكرة متأخرة!
المحاكمة والرد القرآني والتاريخي:
القرآن يقرر الحقيقة التاريخية والأصلية للبشرية؛ فالأصل في تاريخ الإنسانية هو التوحيد الخالص منذ خلق آدم، وأن الشرك والوثنية طارئ حدث بسبب نزغات الشياطين والجهل والتحريف؛ وكل رسول بعثه الله كان مجدداً ومصححاً ومذكراً بذلك التوحيد الأصيل. وقد أكدت الدراسات الأنثروبولوجية المنصفة (كنظرية شميدت في التوحيد البدائي) أن أقدم القبائل والشعوب كانت تؤمن بإله واحد أعلى في السماء قبل أن تتراكم عليها شوائب الوثنية.
تكرار أساليب الحصر؛ أولاً بالنفي والاستثناء في إرسال الرسل {وَمَا أَرْسَلْنَا ... إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ}.
وثانياً في كلمة الإخلاص {لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا}؛ لبيان أنه لا غاية للرسالات ولا قوام للوجود إلا بهذا الأصل.
ترتيب العبادة على التوحيد بفاء السببية والفصيحة {فَاعْبُدُونِ}؛ فالإقرار بالوحدانية يقتضي لزوماً إفراد الله بالعبادة الظاهرة والباطنة.
الإشارة التدبرية: كلمة {لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ} هي الحبل الممدود بين السماء والأرض، والجامع الذي يلتقي عليه الصالحون من لدن آدم إلى قيام الساعة؛ فالموحد يستشعر أنه جزء من هذا الموكب النوراني العظيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أولوية التوحيد في الدعوة والتربية: التوحيد هو أول دعوة الرسل وآخرها وأصل قبول سائر الأعمال؛ فلا ينبغي الانشغال بفروع القضايا وترك تصحيح العقيدة وإخلاص العبادة.
تحقيق التوحيد بالعمل والعبادة: لا يكفي في التوحيد مجرد المعرفة العقلية الباردة، بل لا بد من امتثال الأمر والانقياد العملي: {فَاعْبُدُونِ}.
وحدة الأمة الإيمانية: شعور المسلم بالانتماء لجميع الأنبياء وحبهم وتعظيمهم؛ فالأنبياء أمة واحدة ورسالتهم واحدة.