تفسير الآية وإعلان وحدة الأمة والرسالة الإلهية: بعد أن استعرض الحق جل وعلا موكب الأنبياء والمرسلين واحداً تلو الآخر مع ذكر مريم وابنها، عقب على ذلك بتقرير الأصل الكلي الجامع؛ وهو أن هذه الملة والدين والشريعة التي كان عليها هؤلاء الأنبياء جميعاً هي ملتكم ودينكم؛ أمة واحدة متفقة في أصل العقيدة والتوحيد وإخلاص العبودية لله، والرب المعبود خالق الجميع هو الله الواحد الأحد؛ فأفردوه بالعبادة دون شريك. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 539)مصدر غير محدد١٨/٥٣٩: «يقول تعالى ذكره: إن هذه ملتكم ودينكم يا معشر الناس، ملة واحدة ودين واحد، وهو الإسلام وتوحيد الله الذي بعث به جميع أنبيائه ورسله؛ وأنا ربكم الذي خلقتكم وربيتكم بنعمتي لا رب لكم سواي، فإياي فاعبدوا دون سائر ما تعبدون من الأوثان والآلهة الباطلة».
الآثار في معنى (أمتكم أمة واحدة):
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: «أمتكم أمة واحدة: أي دينكم دين واحد، وملتكم ملة واحدة؛ وهو التوحيد والإسلام؛ فالأنبياء كلهم دعوا إلى عبادة الله وحده واجتناب الطاغوت، وإن تنوعت شرائعهم وفروعهم».
وعن الحسن البصري: «بين الله للمكلفين ما يتقون وما يتبعون، وأخبرهم أن دين الأنبياء واحد لا اختلاف في أصوله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
هذه: اسم إشارة للقريب، والمشار إليه الملة والدين والموكب النبوي المذكور.
أمتكم: الأمة في لغة العرب تطلق على معانٍ متعددة: الدين والملة (كما هنا)، والجماعة من الناس، والقدوة، والحين والزمان؛ ومنه قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} [الزخرف: 22]؛ أي على دين وملة.
أمة واحدة: متفقة متحدة الأصول متلاحمة المقاصد في التوحيد والعبودية.
فاعبدون: الفاء فصيحة، والأمر بإفراد الله بالعبادة الخالصة.
الإعراب التركيبي:
إِنَّ: حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل.
هَٰذِهِ: اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم (إنّ).
فَاعْبُدُونِ: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر، و(اعبدوا) فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء المحذوفة للتخفيف ضمير متصل مفعول به في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة النتيجة الجامعة لموكب النبوة: لما فرغ من تفصيل قصص ستة عشر نبياً متباعدي الأزمان والأوطان، ربطهم جميعاً في حبل واحد مشدود: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}؛ ليقطع على أهل الأهواء دعاواهم في تمزيق الدين وتقسيم البشرية إلى طوائف متناحرة، ويؤكد أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم هي الامتداد الطبيعي الصافي لذلك الموكب النبوي الواحد.
الترتيب المنطقي للتوحيد والعبادة: قرر أولاً وحدة الدين {أُمَّةً وَاحِدَةً}، ثم ثنى بوحدانية الربوبية {وَأَنَا رَبُّكُمْ}، ثم رتب على ذلك الأمر القاطع بالعبودية {فَاعْبُدُونِ}؛ لأن اتحاد المنهج ووحدة الخالق يقتضيان ضرورة وحدة العبادة والوجهة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التنازع بين أتباع الديانات واختلاف الشرائع:
تقرير الإشكال في الخلاف الديني التاريخي: إذا كانت الأمة واحدة ودين الأنبياء واحداً، فلماذا اختلفت اليهودية والنصرانية والإسلام وتنازعت الملل؟!
المحاكمة القرآنية والجواب التاريخي الراسخ:
الآية قررت أن دين الأنبياء في أصله ومنبعه الإلهي واحد لا خلاف فيه؛ وهو التوحيد؛ والحديث الصحيح يؤكد: «الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، دِينُهُمْ وَاحِدٌ». وأما الاختلاف الواقع اليوم بين اليهود والنصارى وغيرهم فليس نابعاً من رسالات الأنبياء، بل هو نابع من التحريف والابتداع والأهواء التي طرأت بعد موت الرسل، كما صرحت الآية التالية مباشرة: {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ}. فالإسلام جاء مصححاً ومجدداً لتلك الأمة الواحدة النقية.
الإشارة التدبرية: يا أمة الإسلام، إن هويتكم ليست جغرافية ولا عرقية ولا لغوية، بل هويتكم هي الانتماء لموكب الأنبياء والصديقين تحت راية التوحيد الخالدة: {أُمَّةً وَاحِدَةً}؛ فاعتصموا بهذا الحبل وتبرؤوا من التفرق والتحزب المقيت.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعزيز وحدة الأمة الإسلامية ونبذ الفرقة: واجب المسلمين اليوم الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله وتجاوز الخلافات الهامشية؛ ليعودوا كما أرادهم الله أمة واحدة مرهوبة الجانب.
حب جميع الأنبياء وتوقيرهم: المسلم يؤمن بجميع الرسل دون تفريق؛ فكل نبي مرسل هو إمام لنا في التوحيد والهدى.
إخلاص العبادة لله وحده: ثمرة التوحيد إفراد الله بالطاعة والنسك والدعاء والنذر، والتحرر من عبودية الخلق.