تفسير الآية وإشراط الساعة الكبرى بخروج يأجوج ومأجوج: يستمر حبس هؤلاء المكذبين في قبورهم، وتستمر سنن الله في خلقه حتى يأتي الأجل المسمى لقيام القيامة؛ فتنفتح سدود يأجوج ومأجوج التي بناها ذو القرنين، وتخرج تلك الأمم العظيمة الكافرة المفسدة في الأرض بكثافة مروعة وسرعة هائلة، ينسلون ويسرعون من كل مرتفع ونشز من الأرض كالسيل الجارف إيذاناً باقتراب الوعد الحق. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 545)مصدر غير محدد١٨/٥٤٥: «يقول تعالى ذكره: وحرام على أهل قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون، حتى إذا فُتح سد يأجوج ومأجوج، فخرجوا على الناس من وراء الردم الذي بناه ذو القرنين، وهم من كل حدب ينسلون: وهم من كل تل ومرتفع ونشز من الأرض يسرعون في مشيهم وخروجهم، مأخوذ من نسل الشَعر إذا سقط، ونسل الرجل في مشيه إذا أسرع وعدا».
الأحاديث النبوية الصحيحة في خروج يأجوج ومأجوج وصفاتهم:
روى البخاري في صحيحه (رقم 3346)مصدر غير محددحديث رقم ٣٣٤٦ ومسلم (رقم 2880)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٨٠ عن زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ يوماً فزعاً محمراً وجهه وهو يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ! فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ؛ وَحَلَّقَ بِإِصْبَعَيْهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا...».
وروى مسلم في صحيحه (رقم 2937)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٣٧ من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه الطويل في خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج، وفيه: «إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ؛ وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ... فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
فتحت: الفتح إزالة الحاجز والسد والردم؛ وفتحت يأجوج ومأجوج أي فتح سدهم وردمهم.
يأجوج ومأجوج: قبيلتان عظيمتان من ذرية يافث بن نوح؛ واسمهما مشتق من أجيج النار والتهابها لشدة كثرتهم واضطرابهم وحركتهم السريعة، أو من الماء الأجاج وهو شديد الملوحة والحرارة.
الحدب: كل موضع مرتفع ونشز من الأرض والروابي والآكام والتلال؛ ومنه حدبة الظهر لارتفاعها.
ينسلون: النسلان في اللغة: سرعة المشي وتقارب الخطى مع الإسراع كعدو الذئب؛ يقال: نسل ينسِل نسلاناً إذا أسرع.
الإعراب التركيبي:
حَتَّىٰ: حرف غاية وابتداء.
إِذَا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
فُتِحَتْ: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله مبني على الفتح، والتاء للتأنيث.
يَأْجُوجُ: نائب فاعل لـ (فتحت) على تقدير مضاف محذوف؛ أي فتح سد يأجوج، مرفوع بالضمة الظاهرة (ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة أو وزن الفعل).
وَمَأْجُوجُ: معطوف مرفوع بالضمة (ممنوع من الصرف).
وَهُم: الواو حالية، (هم) ضمير منفصل مبتدأ يعود على يأجوج ومأجوج، أو على الخلائق عند البعث.
مِّن كُلِّ: جار ومجرور متعلق بـ (ينسلون)، وهو مضاف.
حَدَبٍ: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
يَنسِلُونَ: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل؛ والجملة الفعلية خبر المبتدأ (هم)؛ والجملة الاسمية في محل نصب حال؛ وجواب (إذا) مذكور في الآية التالية: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط بغايات الزمان وأشراط الساعة: جاء هذا المشهد الكوني المروع ليكون نقطة التحول الكبرى في مسار السورة؛ فبعد أن تحدث عن هلاك الأمم السابقة وعدم رجوعهم، بين أن العالم الدنيوي كله يسير نحو نهايته المحتومة؛ فخروج يأجوج ومأجوج هو العلامة الفارقة والإنذار الأخير لاقتراب الوعد الحق وقيام الساعة والبعث والنشور.
تصوير التدفق البشري الهائل: التعبير بـ {وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} يصور مشهد الخروج الجماعي كأمواج البحر المتلاطمة؛ فلا يمنعهم جبل ولا تل، بل يتدفقون من كل مرتفع بسرعة مذهلة تحبس الأنفاس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة حقيقة يأجوج ومأجوج ومكان سدهم:
تقرير الإشكال عند بعض العصرانيين: زعم بعض المتأخرين أن يأجوج ومأجوج مجرد رمز للشر أو أنهم خرجوا وانتهوا!
رد أهل السنة والتحقيق النبوي المتواتر:
يأجوج ومأجوج أمتان بشريتان حقيقيتان من بني آدم ومن ذرية يافث بن نوح، دلت النصوص المتواترة من الكتاب والسنة على خروجهم الحقيقي في آخر الزمان بعد نزول عيسى بن مريم عليه السلام؛ وسدهم الذي بناه ذو القرنين واقع في جهات الشمال والشرق في مضائق الجبال، وإخفاء موقعه عن الناس كإخفاء وقت الساعة لحكمة الابتلاء؛ وخروجهم علامة كبرى من علامات الساعة العشر التي لا يجوز تأويلها ولا إنكارها.
استعمال لفظ {يَنسِلُونَ} استعارة تمثيلية لحركتهم الخاطفة كالسيل إذا انحدر من قمم الجبال؛ مما يلقي في النفس هيبة ذلك المشهد ورعبه.
إيجاز الحذف في {فُتِحَتْ يَأْجُوجُ} بحذف المضاف (السد) يفيد أن القبيلتين نفسيهما كانتا كالمحبوس في زجاجة فانفجرت وخرجت تملأ الآفاق.
الإشارة التدبرية: إذا كانت هذه سرعة خروج يأجوج ومأجوج من حداب الأرض، فكيف بسرعة خروج الخلائق يوم القيامة من قبورهم إذا نادى المنادِ إلى المحشر: {مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} [يس: 51]؟! فاستعد ليوم الخروج الأكبر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الإيمان بأشراط الساعة واليقين بالوعد الحق: الإيمان بعلامات الساعة يوقظ الهمم ويذكر بقرب النهاية؛ فالدنيا دار زوال.
اللجوء إلى الله عند الفتن الكبرى: في حديث النواس لما خرج يأجوج ومأجوج لجأ عيسى وأصحابه إلى الطور وتضرعوا بالدعاء، فأهلكهم الله بدودة النغف؛ فالدعاء سلاح النجاة في كل زمان.
الحذر من الاغترار باستقرار الحضارات: الحضارات المعاصرة والقوى العالمية قد تبيد في لحظة إذا أذن الله بنهاية العالم وخروج أشراط الساعة.