تفسير الآية وحفظ السماء وإعراض الغافلين: يواصل الحق سبحانه تعداد دلائل قدرته وعظيم مننه الكونية؛ فبين أنه جعل السماء فوق الأرض سقفاً محكماً مرفوعاً محفوظاً من السقوط والانهيار على الأرض، ومحفوظاً من الشياطين ورجمهم بالشهب، ومحفوظاً من الخلل والاضطراب والاندثار؛ ومع وضوح هذه الدلائل الباهرة في النجوم والشمس والقمر والبروج، فإن المشركين غافلون معرضون عن التفكر فيها. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 448)مصدر غير محدد١٨/٤٤٨: «يقول تعالى ذكره: وجعلنا السماء للأرض سقوفاً مرفوعة، كالسقف للبيت المرفوع فوقه، محفوظاً: حفظه الله بعظمته وقدرته أن يقع على الأرض إلا بإذنه، وحفظه بالشهب الثواقب من استراق الشياطين السمع، وهم عن آياتها معرضون: وهؤلاء المشركون بالله عما جعل في السماء من الآيات الدالة على وحدانية خالقها، من شمسها وقمرها ونجومها واختلاف أحوالها، لاهون معرضون لا يتدبرون ولا يعتبرون».
الآثار في معنى (محفوظاً):
قال ابن عباس ومجاهد: «محفوظاً: أي مرفوعاً ممنوعاً من السقوط، كما قال: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [الحج: 65]، ومحفوظاً من الشياطين بالشهب، كما قال: {وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} [الحجر: 17]».
وعن الفراء: «محفوظاً من الدثور والفساد والخلل إلى الأجل المسمى».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
السقف: الغطاء الأعلى للبناء الذي يقيه الحر والبرد والآفات العلوية.
محفوظاً: اسم مفعول من الحفظ، وهو الحراسة والرعاية والصيانة من الفساد والتلف والخرق والسقوط.
آياتها: جمع آية، وهي العلامة والدلالة الباهرة الواضحة.
الإعراب التركيبي:
وَجَعَلْنَا: الواو عاطفة، وفعل ماض وفاعله.
السَّمَاءَ: مفعول به أول لـ (جعلنا) منصوب بالفتحة الظاهرة.
سَقْفًا: مفعول به ثان لـ (جعلنا) منصوب بالفتحة الظاهرة.
مَّحْفُوظًا: نعت لـ (سقفاً) منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَهُمْ: الواو حالية، (هم) ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
عَنْ آيَاتِهَا: جار ومجرور متعلق بـ (معرضون)، والهاء مضاف إليه يعود على السماء أو الآيات.
مُعْرِضُونَ: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة لقبح موقفهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج المعماري الكوني الفذ: بدأ النظم القرآني بأساس البيت ومستقره وهي الأرض وتثبيتها بالجبال والسبل {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ}، ثم أتبعه بسقفه وحمايته العلوية {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا}؛ ليكتمل بناء البيت الكوني العظيم الذي يعيش فيه الإنسان مكرماً آمناً.
التوبيخ بالإعراض بعد وضوح الدلائل: قابل عظمة الصنع وجماله وكماله بإعراض هؤلاء الجاحدين: {وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ}؛ فالآيات تملأ الآفاق ليلاً ونهاراً، ولكن القلوب المريضة تغمض عيونها عن النور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة أبعاد الحفظ الكوني والتوافق مع العلوم الحديثة:
تقرير التوافق العلمي الباهر: وصف السماء بأنها {سَقْفًا مَّحْفُوظًا} يحمل في طياته حقائق علمية لم تكن تخطر على بال بشر في القرن السابع الميلادي:
حفظ الأرض بالغلاف الجوي والمجال المغناطيسي: أثبت العلم أن الغلاف الجوي المحيط بالأرض (السماء القريبة) يعمل كدرع وسقف حافظ يحرق ملايين النيازك والشهب يومياً قبل وصولها للأرض، ويحجب الأشعة فوق البنفسجية الضارة، كما يحيط بالأرض حزام مغناطيسي واقٍ (أحزمة فان ألين) يصد الرياح الشمسية القاتلة والجسيمات المشحونة المدمرة للحياة.
حفظ متوازن لدرجة الحرارة: هذا السقف الغازي يحبس الحرارة ويمنع تسربها إلى الفضاء السحيق لتبقى الأرض صالحة لمعيشة الكائنات. فكان وصف القرآن للسماء بأنها سقف محفوظ برهاناً ساطعاً على صدق الوحي ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
تشبيه السماء بـ {سَقْفًا} استعارة تمثيلية شبهت القبة الزرقاء المرفوعة بسقف القصر الفاخر الذي لا أعمدة له، وهو من أبلغ صور البناء الكوني.
تقديم الجار والمجرور {عَنْ آيَاتِهَا} على اسم الفاعل {مُعْرِضُونَ} للاهتمام والتشنيع على إعراضهم عن تلك الآيات المحددة التي تدعو بطبيعتها للتأمل والإيمان.
الإشارة التدبرية: إذا رفع الإنسان رأسه إلى السماء ليلاً أو نهاراً فرأى هذا السقف المرفوع بلا عمد ولا تصدع، انخلع قلبه إجلالاً للخالق الممسك لها، واستحيا أن يعصي رباً هذا بعض خلقه وسلطانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إحياء فريضة النظر والتفكر: النظر في صفحة السماء عبادة مهجورة؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل ينظر إلى السماء ويتلو أواخر آل عمران.
التحذير من إلف النعمة والغفلة عنها: تكرار رؤية السماء والشمس والنجوم يومياً قد يورث بلادة الحس؛ والمؤمن يجدد دهشته الإيمانية كل يوم مع كل شروق وغروب.
الأمن النفسي بحفظ الله: إذا كان الله قد حفظ سقف السماء المترامية الأطراف بغير عمد، فإنه سبحانه قادر على حفظ العبد الضعيف من كل كيد ومكروه إذا توكل عليه.