تفسير الآية وتحطيم الأصنام والخطة البارعة: ينفذ إبراهيم عليه السلام قسمه؛ فدخل معبد الأصنام بعد خروج القوم حاملاً فأسه، فحطم تلك التماثيل وجعلها قطعاً متناثرة مكسورة كالحطام، واستثنى أكبر صنم فيهم فلم يكسره، بل علق الفأس في عنقه أو يده؛ ليدبر بذلك فخاً منطقياً يلجئهم به إلى الاعتراف بعجزها وعجز كبيرها. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 480)مصدر غير محدد١٨/٤٨٠: «يقول تعالى ذكره: فكسر إبراهيم أصنامهم فقطعها قطعاً وجعلها جذاذاً؛ أي فُتاتاً وقطعاً مكسرة متبددة كالجذاذ، وهو ما جُذَّ وقُطع، إلا كبيراً لهم: إلا الصنم الأكبر فيهم تركه قائماً لم يكسره، ووضع الفأس في عنقه؛ لعلهم إليه يرجعون: لعل قومه حين يرون ما أصاب أصنامهم من التكسير وهذا الكبير سالم والفأس في عنقه، يرجعون إليه فيسألونه: من فعل هذا بإخوانك وأنت كبيرهم؟! فتنكشف لهم فضيحة الأصنام وعجزها؛ إذ لا ينطق ولا يجيب ولا يدفع عن نفسه ولا عن غيره سوءاً».
الآثار في وصف المشهد: روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود والسدي: «كان لقوم إبراهيم عيد يخرجون إليه، وكانوا يضعون طعاماً بين يدي الأصنام للتبرك؛ فلما خلا المعبد دخل إبراهيم ومعه قدوم، فنظر إلى الطعام فقال مستهزئاً: {أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ}، فكسرها كلها بفأسه إلا الصنم الأكبر، علق الفأس في عنقه وخرج».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
جذاذاً: بضم الجيم أو كسرها، جمع جذيذ؛ وهو الشيء المكسور المقطوع قطعاً صغيرة؛ مأخوذ من الجذ وهو القطع والاستئصال.
كبيراً لهم: الصنم الأعظم حجماً والأعلى مكانة في معبدهم.
لعلهم إليه يرجعون: الرجوع هنا إما الرجوع بالسؤال والحوار إلى الصنم الكبير، وإما الرجوع إلى إبراهيم بالمساءلة والمحاكمة فيظهر لهم الحق.
الإعراب التركيبي:
فَجَعَلَهُمْ: الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب، وفعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به أول في محل نصب (وجمع بضمير العقلاء لمجاراة اعتقادهم).
جُذَاذًا: مفعول به ثان لـ (جعل) منصوب بالفتحة الظاهرة (وقرئ بضم الجيم وكسرها).
إِلَّا: أداة استثناء.
كَبِيرًا: مستثنى متصل منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف لـ (لهم) بالمعنى.
لَّهُمْ: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ (كبيراً).
لَعَلَّهُمْ: حرف ترج ونصب، والضمير اسمها.
إِلَيْهِ: جار ومجرور متعلق بـ (يرجعون)، والضمير يعود على الكبير، أو على إبراهيم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام المناورة المنطقية في الإبقاء على الكبير: لم يكسر إبراهيم الأصنام كلها عن بكرة أبيها، بل أبقى على الصنم الأكبر وعلق الفأس في عنقه؛ وهذا هو مكمن العبقرية البرهانية؛ لأنه لو حطمها كلها لقالوا: اعتدى عليها معتدٍ وانتهى الأمر، أما إبقاء الكبير فجعله شاهداً صامتاً يحمل أداة الجريمة، مما يضطر عابديها إلى مخاطبته، فتصدمهم حقيقة خرسه وشلله المطبق.
التعبير بـ {جُذَاذًا}: اختيار هذا اللفظ يصور المشهد بأنه لم يكن مجرد إسقاط للأصنام، بل سحق تام لها حتى غدت ركاماً مبعثراً كالحصى المفتت؛ لإظهار هوانها على الله وهوانها أمام ضربات الفأس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هل كان إبراهيم متلفاً لأموال الآخرين بغير حق؟:
تقرير الإشكال في موازين الشريعة والعقل: كيف يحطم إبراهيم ممتلكات قومه؟
المحاكمة الشرعية والعقلية:
أولوية حماية التوحيد وإزالة المنكر الأكبر: الأصنام ليست أموالاً محترمة شرعاً وعقلاً؛ بل هي أدوات شرك وفتنة تصد عن الله؛ وإتلاف أدوات الشرك والفساد واجب النبوة والإصلاح لحفظ الإنسانية من الانتكاس.
الغاية الإصلاحية البرهانية: لم يكن عمل إبراهيم بدافع العدوان أو التخريب العبثي، بل كان وسيلة حتمية لإنقاذ عقول أمة كاملة من الخرافة التي تقودهم إلى النار؛ فكان كسر الأصنام عملاً تحريرياً للعقل البشري.