تفسير الآية وصدمة المشركين وعمى البصيرة: تصور الآية رجوع القوم من عيدهم إلى معبدهم، وتفاجؤهم بالمشهد المروع لأصنامهم وهي مكسورة مبعثرة جذاذاً على الأرض؛ فأخذتهم الدهشة والغضب والصياح، وقال بعضهم لبعض في سخط وذهول: من الذي تجرأ على ارتكاب هذا المنكر الشنيع بآلهتنا ومعبوداتنا؟! إن فاعل هذا العمل العظيم لمن الظالمين المعتدين على حرمات الدين والمستحقين لأقصى العقوبة. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 482)مصدر غير محدد١٨/٤٨٢: «يقول تعالى ذكره: فلما رجع قوم إبراهيم من عيدهم إلى بيت أصنامهم، فرأوها جذاذاً مكسرة، فزعوا لذلك وعظم عليهم، وقالوا: من فعل هذا التحطيم بآلهتنا؟! إنه لمن الظالمين؛ أي إنه لظالم متعدٍّ واضع الجرأة في غير موضعها، معتدٍ على آلهتنا بالسوء والكسر».
الآثار في سياق الصدمة: قال قتادة والسدي: «رجعوا من عيدهم وهم يرجون بركة الأصنام وأكل الطعام الذي وضعوه عندها، فرأوا آلهتهم صرعى مكسورة في التراب؛ فثارت حميتهم الجاهلية وصاحوا: من فعل هذا بآلهتنا؟!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
مَن: اسم استفهام استخباري إنكاري طلباً للتعرف على الجاني ومعاقبته.
هذا: اسم إشارة للجرم والتحطيم العظيم.
بآلهتنا: التعبير بـ (آلهتنا) يكشف عن بقاء غشاوة التقديس في قلوبهم رغم معاينة حطامها.
الظالمين: المعتدين المتجاوزين للحدود؛ ونسبوا إليه الظلم اعتداءً على حق الآلهة بزعمهم.
الإعراب التركيبي:
قَالُوا: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل.
مَن: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
فَعَلَ: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، وجملة فعل خبر المبتدأ (مَن).
هَٰذَا: اسم إشارة مفعول به منصوب محلاً.
بِآلِهَتِنَا: جار ومجرور متعلق بـ (فعل)، و(نا) مضاف إليه؛ وجملة الاستفهام مقول القول في محل نصب.
إِنَّهُ: (إنّ) حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها يعود على الفاعل المجهول عندهم.
لَمِنَ الظَّالِمِينَ: اللام هي اللام المزحلقة للتوكيد، و(من الظالمين) جار ومجرور شبه جملة خبر (إنّ) مجرور بالياء؛ والجملة الاسمية استئناف بياني لتقرير حكمهم عليه بالظلم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح انتكاس الموازين عند المشركين: تتجلى قمة المفارقة النظمية في قوله: {مَن فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا}؛ فسموها (آلهة) وهي ملقاة في التراب كقطع الحجارة المفتتة التي داسها الفأس وعجزت عن حماية نفسها! فكيف يكون الإله مكسوراً مفعولاً به لا يملك رداً ولا انتقاماً؟!
اتهام الحق بالظلم: وصفوا محطم الأصنام بأنه {لَمِنَ الظَّالِمِينَ} مؤكدين ذلك بـ (إنّ) واللام المزحلقة؛ فقلبوا المفاهيم؛ فصار تطهير الأرض من الشرك ظلماً عندهم، وعبادة الحجارة الصماء عدلاً وتوحيداً!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة العجز الإلهي المزعوم في الأصنام:
تقرير الحجة العقلية الصادعة:
لو كان في قلوبهم مسكة من عقل لقالوا: إذا كانت آلهتنا عاجزة عن حماية نفسها من يد واحدة ومطرقة واحدة، فكيف نحتمي نحن بها ونسألها النصر والرزق؟! ولكن التعصب يعمي القلوب والأبصار؛ فانشغلوا بالبحث عن الفاعل ليعاقبوه بدلاً من التفكير في عجز المعبود المفضوح!
إضافة الآلهة إلى ضميرهم {بِآلِهَتِنَا} فيه إظهار لغيرتهم الجاهلية وتحريك للحمية الشعبية العامة لمعاقبة الجاني.
الإشارة بـ {هَٰذَا} للتحقير والتهويل من شأن الفعل الشنيع الذي لحق بأصنامهم.
الإشارة التدبرية: هكذا أهل الأهواء في كل زمان؛ حين تنكشف عورات أفكارهم وبطلان أصنامهم لا يرجعون إلى الحق، بل يصرخون بالشكوى والمظلومية ويتهمون المصلحين بالظلم والعدوان والتخريب!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توقع قلب الحقائق من أهل الباطل: على المصلح ألا يستغرب إذا رماه أهل الباطل بأبشع التهم (كالظلم والتطرف والرجعية)؛ فقد قيلت لخليل الرحمن إبراهيم.
سقوط الأصنام في الأعين قبل السقوط في الميدان: أعظم مرحلة في هدم الباطل هي كسر هيبته وقدسيته في نفوس الأتباع.
اليقين بأن الباطل ضعيف هش: حطام الأصنام كشف أن القوة المادية للباطل وهمٌ يبدده عزم موحد صادق يحمل فأساً وإيماناً.