تفسير الآية والفهم السليماني وتسبيح الجبال والطير مع داود: يخبر الله جل وعلا أنه هو الذي ألهم سليمان وجه الصواب في هذه القضية ووفقه لأعدل الأحكام وأرفقها بالخصوم، ثم أعقب ذلك بتكريم داود وسليمان معاً لئلا يُتوهم نقص في حق داود، فبين أنه آتى كلاً منهما نبوة وحكمة وفصلاً في القضاء وعلماً لدنياً جليلاً؛ ثم ذكر الميزة العظمى والمعجزة الفريدة التي خص بها داود عليه السلام؛ وهي تسخير الجبال الصماء الراسية وأسراب الطير تسبح معه بحمد الله كلما ترنم بقراءة الزبور وصوته الشجي الرخيم؛ فيرتج الوادي بتسبيح الجبال والطير امتثالاً لأمر الله. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 514)مصدر غير محدد١٨/٥١٤: «يقول تعالى ذكره: فوفقنا سليمان لفهم القضية والحكم الأصوب في الحرث، وكلاً من داود وسليمان آتينا حكماً ونبوة وعلماً بأحكام ديني وشريعتي؛ وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير: أي ذللنا الجبال تسبح مع داود إذا سبح، وألهمنا الطير أن تسبح معه وتجاوبه بتسبيحه إذا ترنم بالزبور، وكنا فاعلين: أي وكنا قادرين على أن نفعل ذلك وفاعلوا ذلك بفضلنا وعظمتنا، وإن كان عجباً عند الناس مستحيلاً في مقاييسهم».
الأحاديث والآثار النبوية في مزمار داود وتسبيح الطير:
روى البخاري (رقم 5048)مصدر غير محددحديث رقم ٥٠٤٨ ومسلم (رقم 793)مصدر غير محددحديث رقم ٧٩٣ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يَا أَبَا مُوسَى، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُودَ».
وروى ابن جرير والحاكم عن ابن عباس قال: «كان داود عليه السلام إذا سبح بالزبور تجاوبه الجبال الصم بأصواتها، وتجتمع الطير في الهواء فتركد وتقف مسبحة معه مسبحة، لا تنصرف حتى يسكت».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
ففهمناها: الفهم حسن تصور المعنى وجودة إدراك مقاصد الأمور؛ والهاء تعود على القضية أو الحكومة والفصل العادل.
سخرنا: التسخير هو التذليل والانقياد التام لأمر المسخِّر قهراً وطاعة.
يسبحن: ينزهن الله ويقدسنه بالصوت الحقيقي أو بلسان الحال؛ والمراد هنا تسبيح صوتي سمعه داود ومن حضره.
وكنا فاعلين: تذييل لتقرير كمال القدرة الإلهية وأن هذا الصنيع العجيب ليس ببدع على قدرة الله.
الإعراب التركيبي:
فَفَهَّمْنَاهَا: الفاء عاطفة تفيد السببية، وفعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به أول في محل نصب تعود على القضية أو الحكومة.
سُلَيْمَانَ: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة (ممنوع من الصرف).
وَكُلًّا: الواو عاطفة أو حالية، (كلاً) مفعول به أول مقدم لـ (آتينا) منصوب بالفتحة، والتنوين عوض عن المضاف إليه؛ أي وكل واحد منهما.
آتَيْنَا: فعل ماض وفاعله.
حُكْمًا: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَعِلْمًا: معطوف منصوب بالفتحة.
وَسَخَّرْنَا: الواو عاطفة، فعل ماض وفاعله.
مَعَ: ظرف مكان منصوب متعلق بـ (سخرنا) أو بـ (يسبحن)، وهو مضاف.
دَاوُودَ: مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
الْجِبَالَ: مفعول به لـ (سخرنا) منصوب بالفتحة الظاهرة.
يُسَبِّحْنَ: فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، ونون النسوة ضمير متصل فاعل يعود على الجبال؛ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الجبال.
وَالطَّيْرَ: معطوف على (الجبال) منصوب بالفتحة الظاهرة؛ أي وسخرنا الطير يسبحن معه.
وَكُنَّا: الواو اعتراضية أو تذييلية، كان واسمها.
فَاعِلِينَ: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاحتراس البلاغي وحفظ مقام النبوة: لما خَصَّ سليمان بمزية الفهم في القضية {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}، تدارك السياق فوراً بالاحتراس البديع: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا}؛ لئلا يتوهم متوهم حطاً من شأن الوالد النبي العظيم داود، ثم زاد في تكريم داود بذكر معجزته الكونية الكبرى التي لم تكن لسليمان؛ وهي تسخير الجبال والطير تسبح معه؛ فعدل الميزان بينهما بأبهى صور التكريم والعدالة.
تذييل القدرة في {وَكُنَّا فَاعِلِينَ}: جاء هذا التذييل لدفع استبعاد العقول القاصرة؛ فتسبيح الحجارة الصماء وتجاوب الطير مع نبي الله أمر خارق للمألوف، فأكد الله أنه صادر عن قدرته التامة التي لا يعجزها شيء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تسبيح الجبال هل هو تسبيح دلالة أم تسبيح حقيقي مسموع؟:
تقرير الإشكال عند بعض المؤولين: زعم بعض نفاة المعجزات أن تسبيح الجبال مجرد تسبيح دلالة؛ أي دلالتها بخلقها على عظمة الصانع!
رد أهل السنة والتحقيق السلفي والبرهاني:
هذا تأويل باطل ينقض معنى المعجزة؛ لأن تسبيح الدلالة عام في كل حجر ومدر وشجر مع داود ومع غيره، فلا مزية لداود فيه! ولكن الله تعالى خص داود بمعجزة خارقة للعادة؛ وهي أنه أنطق الجبال بصوت حقيقي مسموع تفهمه الآذان، تسبح معه وتردد وراءه ترانيم الزبور وتؤوب معه، كما أنطق الحصى في كف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنطق الجذع بالبكاء حنيناً إليه؛ فالجمادات لها شعور وتسبيح لا نفقهه إلا إذا أظهره الله معجزة لأنبيائه: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44].
تصوير الجبال الشاهقة والطير المحلقة كأنها جوقة إيمانية متناغمة تقف بخشوع وتردد خلف داود تسبيحه؛ يحول المشهد إلى مهرجان كوني يفيض بالرهبة والجلال.
إسناد نون الإناث للجبال {يُسَبِّحْنَ} يضفي عليها روح الحياة والحركة والخشوع والتسبيح كالعابدات القانتات.
الإشارة التدبرية: إذا كانت الجبال الصماء الصخرية تسبح لربها وتتصدع من خشيته، فما بال هذا القلب البشري الرقيق يقسو حتى يصير أشد قسوة من الحجارة؟! رطب لسانك بذكر الله لتتناغم مع سيمفونية الكون المسبح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعاء بطلب الفهم والحكمة: الفهم نور يقذفه الله في القلب؛ فكان بعض السلف يقول عند المسائل المشكلة: «يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني».
حفظ منازل أهل الفضل والعلم: إذا أصاب تلميذ أو عالم في مسألة وقصر عنها عالم آخر، وجب حفظ مقام الجميع دون غمط ولا تنقص.