تفسير الآية والاعتراف الاضطراري: يصور الله تعالى اعتراف الكفار بظلمهم وجرمهم حين عاينوا الهلاك وانقطعت عنهم حيل النجاة؛ فصرخوا بالويل والثبور مقرين على أنفسهم بالشرك والتكذيب. قال الإمام ابن جرير الطبري (ج 18، ص 424)مصدر غير محدد١٨/٤٢٤: «يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء الذين أحسوا بأسنا حين قيل لهم: لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون: يا ويلنا، دعوا بالويل على أنفسهم، والويل: الحزن والهلاك، وقالوا: إنا كنا ظالمين، أي كنا في كفرنا بربنا وتكذيبنا رسله وظلمنا أنفسنا مستحقين لهذا العذاب النازل بنا».
الاعتراف بعد فوات الأوان: هذا الإقرار هو اعتراف اضطراري وقع عند معاينة البأس؛ وهو لا ينفع صاحبه كما قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 84-85].
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الويل: كلمة تدل على الهلاك والحلول في العذاب والشدة، وقيل: واد في جهنم، وأصلها دعاء على النفس بالثبور والدمار.
ظالمين: مقرين بأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم بوضع الشرك موضع التوحيد، والتكذيب موضع التصديق.
الإعراب التركيبي:
قَالُوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
يَا وَيْلَنَا: (يا) حرف نداء، و(ويلنا) منادى مضاف منصوب بالفتحة الظاهرة، و(نا) مضاف إليه؛ ونودي الويل على سبيل المجاز كأنهم يقولون: يا ويل احضر فهذا أوانك.
إِنَّا: (إنّ) حرف توكيد ونصب، و(نا) المدغمة اسمها مبني في محل نصب.
كُنَّا: فعل ماض ناقص، و(نا) اسمها.
ظَالِمِينَ: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية توكيد وتعليل للنداء بالويل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانكسار والانهيار النفسي: بعد أن قيل لهم تهكماً: {وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ}، لم يجدوا ما يدفعون به هذا التبكيت إلا البكاء والصراخ بدعوة الهلاك والإقرار الذليل بالظلم؛ فتبددت كبرياؤهم وتحولت دعاويهم السابقة إلى حسرة وندامة.
توكيد الظلم بصيغ متعددة: أكدوا ظلمهم بـ (إنّ) وبصيغة كان الدالة على استمرار هذا الظلم ورسوخه في سلوكهم الماضي: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}؛ فلم يملكوا أن ينسبوا الظلم لربهم، بل نسبوه لأنفسهم باعتراف صريح قاطع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عدم قبول التوبة والاعتراف عند نزول العذاب:
تقرير الإشكال: لماذا لم يتقبل الله اعترافهم وتوبتهم في قوله: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} مع أن التوبة تجب ما قبلها والله غفور رحيم؟
المحاكمة العقلية والشرعية:
شرط التكليف والاختيار: التوبة الشرعية المقبولة إنما تكون في حال الاختيار والتمكن من العمل والرجوع عن المعصية، أما إذا عاين الإنسان ملك الموت أو نزول العذاب الاستئصالي القاهر فقد انتقل من دار الغيب إلى دار الشهادة، وسقط التكليف القائم على الإيمان بالغيب؛ فصار اعترافه كاعتراف الغريق إذا غشيه الموج: {حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ} [يونس: 90].
العدالة الإلهية في قطع المهلة: لو قبل الله إيمان كل جاحد عند معاينة الموت والعذاب لبطل معنى الابتلاء والامتحان الذي خلق الخلق من أجله.
نداء الويل {يَا وَيْلَنَا} استعارة مكنية؛ حيث شبه الويل بشخص يسمع ويجيب فنودي ليحضر؛ إشارة إلى أنه لم يبق لهم جليس ولا مصاحب إلا العذاب والهلاك.
إقرارهم بالظلم شهادة على كمال عدل الله تعالى وتنزهه عن الظلم؛ فالله لا يعذب قوماً إلا بظلمهم واختيارهم.
الإشارة التدبرية: كل لسان متكبر سينطق بالحق والاعتراف يوماً ما؛ فإما أن يعترف في زمن المهلة طائعاً منيباً فيفوز، وإما أن يعترف في زمن البأس مكرهاً مفضوحاً فيخسر!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المبادرة بالاعتراف والتوبة قبل الفوت: الفطن من حاسب نفسه في الرخاء وأقر بذنبه بين يدي ربه مستغفراً، فإنه لا ينفع الندم إذا حلت سكرات الموت.
تنزيه الله عن الظلم: أعظم ما يرسخه هذا المشهد هو أن الهلاك لا يقع إلا بالعدل المحض وبما كسبت أيدي الناس؛ فليحذر العبد أن يظلم نفسه أو يظلم غيره.
الخوف من مكر الله واستدراجه: النعمة والترف إذا لم يقترنا بشكر وطاعة كانا استدراجاً يتبعه عذاب مفاجئ وصراخ بالويل.