تفسير الآية ومقام الجلال والربوبية: يقرر الله جل جلاله كمال سلطانه ونفاذ مشيئته وعظمة حكمته وعدله؛ فالله تعالى لكمال عظمته وعلمه وحكمته ورحمته لا يسأله أحد من خلقه عما يقضيه ويفعله، ولا اعتراض لأحد على حكمه، بينما جميع الخلائق مقهورون تحت سلطانه، مسؤولون ومحاسبون ومجزيون على كل صغيرة وكبيرة من أفعالهم. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 435)مصدر غير محدد١٨/٤٣٥: «يقول تعالى ذكره: لا يسأل الله ذو العرش المجيد أحد من خلقه عما يقضيه فيهم ويفعله بهم؛ لعظمته وقدرته وسلطانه، وكمال عدله وحكمته، وهم يُسألون: وخلقه كلهم يسألون عن أفعالهم وأعمالهم، فيحاسبون عليها ويجازون بها؛ لأنهم عبيد مأمورون منهيون مكلفون».
الآثار في حكمته وعدله: قال ابن عباس رضي الله عنهما: «لا يسأل عما يقضي على خلقه، ولا يملكون له نفعاً ولا ضراً، بل هم عبيده يسألهم عن أعمالهم وما كلفهم به». وقال قتادة: «هو الحكيم العليم الذي وضع كل شيء في موضعه؛ فلا يقال له: لِمَ فعلتَ كذا؟ لأن أفعاله كلها صادرة عن عين الحكمة والمصلحة والعدل، لا يظلم أحداً مثقال ذرة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
السؤال: هنا سؤال الاستعتاب والاعتراض والإنكار والمحاسبة؛ وليس سؤال الاستخبار المحض.
يفعل: الفعل الصادر عن المشيئة المطلقة الإلهية في خلقه وكونه وتشريعه.
الإعراب التركيبي:
لَا: نافية لا عمل لها.
يُسْأَلُ: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله (مبني للمجهول) مرفوع بالضمة الظاهرة، ونائب الفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على الله تعالى.
عَمَّا: (عن) حرف جر، و(ما) اسم موصول مبني في محل جر، والجار والمجرور متعلق بـ (يُسأل).
يَفْعَلُ: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر يعود عليه سبحانه، والجملة صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف تقديره يفعله.
وَهُمْ: الواو حالية أو عاطفة، (هم) ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
يُسْأَلُونَ: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ؛ والجملة الاسمية في محل نصب حال أو معطوفة للمقابلة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إتمام برهان الألوهية والربوبية المطلقة: بعد أن أثبت وحدانيته ونفى الفساد عن الوجود في الآية السابقة، بين صفة الحاكمية المطلقة في ملكوته؛ فالإله الحق لا بد أن يكون قاهراً غير مقهور، حاكماً لا معقّب لحكمه، أما الآلهة المزعومة والأرباب الباطلة فكلها مخلوقة عاجزة مسؤولة محاسبة، فكيف يسوون بين الخالق القاهر والعبد المسؤول؟!
المقابلة الصارمة بين طرفي الوجود: قابل بين الذات الإلهية العلية التي يرجع إليها أمر الوجود كله {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ}، وبين سائر الخليقة الخاضعة المحاسبة {وَهُمْ يُسْأَلُونَ}؛ فأسقط كل أوهام المساواة أو الندّية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة الجبر أو استبداد المشيئة ومسألة الحكمة والتعليل:
تقرير الإشكال عند بعض الفلاسفة والمستشرقين: قد يظن ظان أن الآية تثبت لله التصرف العشوائي القائم على القهر المجرد دون حكمة، كما ذهبت إليه غلاة الجبرية ونفاة الحكمة!
رد أهل السنة والتحقيق السلفي الراسخ:
نفي السؤال نابع من كمال الحكمة لا من مجرد القهر: بيّن أئمة التحقيق (كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير) أن الله تعالى لا يُسأل عما يفعل لكمال حكمته وعدله وعلمه ورحمته، لا لمجرد قدرته وقهره وسلطانه؛ فالإنسان إذا كان حكيماً في غاية العلم لم يسأله من دونه لاعتماده على حكمته، فكيف برب العالمين الذي اتصف بالحكمة المطلقة والعدل الكامل؟! فكل أفعاله سبحانه مبنية على حكم بالغة، لا يعبث ولا يظلم أحداً: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40].
سقوط حق المخلوق في محاسبة الخالق: المخلوق عبد مملوك جهول محدود العلم، والخالق هو المالك المطلق العليم الخبير المحيط؛ فكيف يتطاول المرزوق الناقص ليحاسب الخالق التام؟! هذا قلب لحقائق الوجود واستكبار مريض.
بناء الفعلين للمجهول {لَا يُسْأَلُ} و{يُسْأَلُونَ}:
في الأول لتعميم نفي السائلين؛ فلا أحد كائناً من كان من ملك مقرب أو نبي مرسل أو طاغية جبار يملك أن يسأل الله سؤال اعتراض.
وفي الثاني لتحقيق وقوع السؤال عليهم من الله ومن ملائكته وحسابهم على كل مثقال حبة من خردل.
الإشارة التدبرية: رأس العبودية التسليم لحكم الله الشرعي والقدري؛ فالمؤمن الحقيقي إذا عجز عقله المحدود عن إدراك علة بعض المصائب أو تفاصيل الأحكام قال: آمنت بحكمة ربي وعدله، وسلمت لأمره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الأدب مع الله تعالى: تربية القلب على عدم التضجر من أقدار الله ولا الاعتراض على شرعه بـ (لِمَ وكيف؟)؛ فإن العبد لا يعترض على سيده.
الاستعداد ليوم المساءلة: تذكر قوله تعالى: {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} يوقظ في النفس الوجل؛ فكل لفظ وحركة ونية مسجلة في صحيفة ستعرض يوم الحساب: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92-93].
بناء الطمأنينة والرضا: إذا علم المسلم أن مدبر الكون حكيم عدل لا يظلم ولا يعبث، اطمأن قلبه واستراحت نفسه من وسواس القلق والاعتراض.