تفسير الآية والتعنت في طلب ميقات القيامة والعذاب: يخبر الله تعالى عن مقالة كفار قريش ومشركي العرب المعاندين، حين يواجهون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالسؤال الاستنكاري الساخر عن موعد قيام الساعة ونزول العذاب المستأصل الذي يحذرونهم منه؛ مطالبين بتحديد وقت وزمان حلوله دليلاً على صدق النبوة. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 457)مصدر غير محدد١٨/٤٥٧: «يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المشركون المستعجلون بآيات الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به: متى هذا الوعد الذي تعدوننا أن الله يعذبنا فيه وينجيكم، وتفتح لكم مكة، وتقوم القيامة وتبعث الأجساد من القبور؟! إن كنتم صادقين فيما تخبروننا به من ذلك فبينوا لنا ميقاته وائتونا به الآن!».
سياق نزول الآية وتكرارها في القرآن: تكررت هذه المقالة الشركية في سور كثيرة (كيونس والأنبياء والنمل وسبأ ويس والملك)؛ مما يدل على أنها كانت شبهة مركزية يرددها ملاحدة قريش لتعجيز النبي صلى الله عليه وسلم والهروب من استحقاقات الإيمان بالغيب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
متى: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية، ويفيد السؤال عن الزمان وتعيين وقته.
الوعد: الإخبار بالجزاء في المستقبل؛ والمراد به هنا: وعيد العذاب وقيام الساعة والفتح المبين.
صادقين: الصدق مطابقة القول للواقع؛ وضده الكذب.
الإعراب التركيبي:
وَيَقُولُونَ: الواو عاطفة أو استئنافية، فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
مَتَىٰ: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم.
هَٰذَا: الها للتنبيه، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.
الْوَعْدُ: بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان مرفوع بالضمة الظاهرة؛ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
إِن: حرف شرط جازم.
كُنتُمْ: فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها، والميم للجمع.
صَادِقِينَ: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ وجواب الشرط محذوف تقديره: فأخبرونا بميقاته، أو فأتوا به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تطبيق عملي لعجلة الإنسان المذكورة في الآية السابقة: جاءت هذه الآية مباشرة بعد قوله: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ}؛ لتكون مثالاً حياً ونموذجاً واقعياً على تلك العجلة المذمومة؛ فها هم أولاء يقولون بعجلة واستهزاء: {مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
الخطاب بصيغة الجمع {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}: خاطبوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين بصيغة الجمع؛ ليشملوا بالطعن والتكذيب كل من آمن بالوحي، ولإشاعة جو التشكيك في المجتمع بأسره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اشتراط معرفة التوقيت الدقيق للإيمان بالغيب:
تقرير الإشكال التكذيبي: زعم المشركون أن عدم تحديد اليوم والساعة التي ينزل فيها العذاب أو تقوم فيها القيامة دليل على كذب النذير وبطلان الوعد!
المحاكمة العقلية والشرعية:
الفرق بين معرفة الوقوع وتحديد التوقيت: صدق الطبيب الذي يحذر المريض من داء مهلك لا يتوقف على معرفته بالساعة والدقيقة التي يموت فيها المريض؛ بل يكفي ثبوت أسباب الهلاك وحتمية الموت؛ فالغرض من الإنذار هو الحذر والتوبة، لا التلهي بمواعيد التقويم.
حكمة إخفاء ميقات الساعة والعذاب: أخفى الله ميقات القيامة وموت العباد لحكم جليلة؛ ليبقى العباد في وجل وترقب دائم، فيستعدوا في كل لحظة بالعمل الصالح، ولا يسوفوا التوبة. فلو عُلم وقت العذاب بعينه لتمادى الفجار في شهواتهم وظلمهم وقالوا: نتوب قبل الموعد بيوم أو شهر، فتبطل حكمة التكليف والابتلاء.
الاستفهام بـ {مَتَىٰ} لا يراد به الاسترشاد وطلب العلم، بل هو استفهام إنكاري استهزائي تعجيزي يرمي إلى إظهار عجز المؤمنين عن الجواب الحسابي الميقاتي.
الإشارة بـ {هَٰذَا} إلى الوعد كأنه شيء غريب مستبعد الوقوع عندهم.
الإشارة التدبرية: من علامات الخذلان أن يُحذر الإنسان من خطر محدق، فيترك الاستعداد للنجاة وينشغل بالسؤال عن موعد وصول الخطر ليسخر ويلهو!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التأكيد على الغايات لا الشكليات: على الداعية إذا سئل عن تفاصيل الغيبيات الدقيقة التي استأثر الله بعلمها (كوقت الساعة) أن يرد السائل إلى ما ينفعه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي سأله: متى الساعة؟ فقال: «مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟».
عدم الانخداع بسكون الأيام وإمهال الظالمين: تأخر موعد الوعد لا يعني إلغاءه؛ فإن سنة الله ماضية والقيامة آتية لا ريب فيها.
الاستعداد الدائم للقاء الله: الكيس من جعل كل يوم من أيامه كأنه موعد الحساب، فتطهر من المظالم وتزود بالتقوى قبل أن يفجأه الأجل.