تفسير الآية وجواب استعجالهم المتهور: يجيب الله تعالى عن سؤالهم المتعنت في الآية السابقة: {مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ}؛ مبيناً هول ذلك الوقت وحقيقة ما ينتظرهم فيه من العذاب الأليم الذي يغشاهم من كل جهة؛ فلو علم هؤلاء الجاحدون ذلك الوقت الذي لا يقدرون فيه على دفع النار عن وجوههم ولا عن ظهورهم، لما استعجلوه ولا استهزؤوا به، ولشغلهم الرعب عن كل لهو. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 458)مصدر غير محدد١٨/٤٥٨: «يقول تعالى ذكره: لو يعلم هؤلاء الكفرة بالله المستعجلون بالعذاب، السائلون: متى هذا الوعد؟ الوقت الذي لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم حين تغشاهم جهنم وتحيط بهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولا يجدون ناصراً ينصرهم فيدفع عنهم عذاب الله، لما أقاموا على كفرهم، ولما استعجلوا عذابهم، ولأيقنوا بالهلاك؛ ولكنهم جهلوا ذلك فتمادوا في غيهم واستهزائهم».
حذف جواب (لو): أجمع أئمة التفسير واللغة (كالطبري والزجاج والزمخشري وابن عطية) على أن جواب (لو) محذوف لقصد التهويل والتفخيم؛ وتقديره: لو يعلمون ذلك لهالهم الأمر، أو لما كفروا، أو لما استعجلوا، أو لرأوا أمراً فظيعاً تقشعر منه الجلود.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
لو: حرف امتناع لامتناع، أو للتحضيض والتمني الممتنع في حقهم؛ والمقصود نفي علمهم بهول ذلك الوقت.
لا يكفون: الكف في اللغة: الدفع والمنع والرد باليد والجوارح؛ ومنه كف اليد، وكففت الجيش إذا منعتهم ودفعتهم.
الوجوه والظهور: خصا بالذكر لأنهما أشرف مقاديم البدن وأكثف مؤخرته؛ فإذا غشيت النار الوجه والظهر فقد أحاطت بالجسم كله.
الإعراب التركيبي:
لَوْ: حرف شرط غير جازم يفيد الامتناع.
يَعْلَمُ: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
الَّذِينَ: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل لـ (يعلم).
كَفَرُوا: فعل ماض وفاعله، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
حِينَ: مفعول به لـ (يعلم) منصوب بالفتحة الظاهرة؛ أي لو يعلمون الوقت المفزع؛ أو ظرف زمان متعلق بجواب لو المحذوف، والمفعول محذوف تقديره: لو يعلمون كفرهم أو عاقبتهم حين...
وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ: الواو عاطفة، (لا) نافية، (هم) مبتدأ، وجملة (ينصرون) خبر المبتدأ؛ والجملة الاسمية في محل جر معطوفة على ما قبلها؛ وجواب (لو) محذوف لتهويل الخطب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط الاستهزاء بهول المشهد الأخروي: جاء الجواب على سؤالهم الساخر {مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ} ليس بتحديد تاريخ زمني بارد، بل بنقلهم مباشرة إلى أرض الواقعة ليعاينوا مشهد العذاب؛ فالسؤال عن الميقات يصبح لغواً تافهاً أمام صورة الإنسان المحترق الذي لا يملك يداً يدفع بها النار عن وجهه وعينيه.
حذف جواب الشرط لإطلاق الخيال في الرهبة: هذا من أعلى أسرار البلاغة النظمية؛ فحذف الجواب يفتح النفس على كل هول ومخافة؛ إذ أي تقدير لفظي يقصر عن تصوير فظاعة الأمر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يغطي العذاب الوجوه والظهور بصفة خاصة؟:
تقرير الحكمة البيانية والتشريحية:
الوجه هو مجمع الحواس ورمز الكرامة الإنسانية ومظهر الإقبال، والظهر مظهر القوة والالتجاء؛ فالإنسان إذا داهمه مكروه قدم يديه ووجهه للدفاع، فإذا عجز ولى ظهره هرباً؛ فبينت الآية أنهم يوم القيامة يعجزون عن الدفع بالأمام (الوجوه) ويعجزون عن التراجع والفرار بالخلف (الظهور)؛ فالنار تلفحهم من سائر أقطارهم محيطة بهم إحاطة تامة: {لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر: 16].
إيثار فعل {لَا يَكُفُّونَ} يجسد مشهد العجز التام والذل المطبق؛ فالكف حركة الدفع الطبيعية، فإذا سلب الإنسان قدرته على كف اللهب عن عينيه ووجهه فقد بلغ الغاية في القهر والاستسلام.
نفي النصرة {وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} يبطل كل وهم كانوا يتعلقون به في الدنيا من نصرة الآلهة أو الأحلاف أو الأنساب.
الإشارة التدبرية: يا غافلاً يستعجل المعاصي ويسوف التوبة، تأمل وجهك الرقيق الناعم كيف يطيق لفح جهنم ولهيبها؟! بادر بالوقاية اليوم بدمعة خشية وسجدة إخبات قبل أن يغشاك العذاب وأنت لا تشعر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استعمال الترهيب الصادق لكسر الغرور: النفوس المتكبرة لا يكسر غلواءها إلا تذكيرها بهول المطلع ومواقف القيامة؛ فالوعيد الحازم يوقظ الفطرة النائمة.
تجريد الرجاء في الله وحده: يوم القيامة تسقط كل الوساطات والدعاوى؛ فلا ناصر إلا الله؛ فمن لم ينصره الله فهو هالك لا محالة.
صيانة الجوارح عن معاصي الله: الوجه والظهر والبدن أمانة من الله؛ فحفظها بطاعة الله في الدنيا وقاية لها من عذاب النار في الآخرة.