تفسير الآية وتأكيد الطبيعة البشرية: تؤكد الآية الكريمة بشرية المرسلين من جهة خصائصهم الفسيولوجية والحياتية؛ فلم يكونوا أجساداً نورانية أو روحانية مجردة مستغنية عن الغذاء، بل كانوا كباقي البشر يحتاجون إلى الأكل والشرب لقوام أجسادهم، ولم يكونوا مخلدين في الدنيا لا يموتون. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 418)مصدر غير محدد١٨/٤١٨: «يقول تعالى ذكره: وما جعلنا الرسل الذين أرسلناهم قبلك إلى الأمم جسداً لا يطعمون الطعام، بل جعلناهم أجساداً يأكلون الطعام كأجساد سائر بني آدم، يحتاجون من الغذاء إلى مثل ما يحتاج إليه سائر البشر، وما كانوا مخلدين في الدنيا لا يموتون، بل ماتوا وفنوا حين بلغت آجالهم التي قضاها الله عليهم».
الرد على مقالة قريش في الأكل والمشي في الأسواق: قال المشركون كما في سورة الفرقان: {مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ}، فبين الله أن هذه صفة كل نبي مرسل من قبله، كموسى وعيسى وإبراهيم ونوح.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
جسداً: الجسد هو الجسم من ذوات الروح التي تتغذى وتحس؛ وقيل: لا يقال لغير الإنسان والملائكة والجن جسد، واستعمل هنا مفرداً وأريد به الجنس أو جمع الأجساد.
خالدين: الخلود هو البقاء الدائم الذي لا ينقطع ولا ينتهي بموت.
الإعراب التركيبي:
وَمَا: الواو عاطفة، (ما) نافية.
جَعَلْنَاهُمْ: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا، و(نا) فاعل، والضمير (هم) مفعول به أول في محل نصب.
جَسَدًا: مفعول به ثان لـ (جعلنا) منصوب بالفتحة الظاهرة؛ وأفرد لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير، أو على تأويل: وما جعلنا كل واحد منهم جسداً.
لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ: (لا) نافية، و(يأكلون) فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، و(الطعام) مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب نعت لـ (جسداً).
وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ: الواو عاطفة، (ما) نافية، و(كانوا) فعل ماض ناقص والواو اسمها، و(خالدين) خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إتمام الرد بالأدلة الحسية المشاهدة: بعد أن بين في الآية السابقة أنهم (رجال يوحى إليهم) من جهة الأصل العقدي، أتبع ذلك بنفي صفات الملكوت والتأليه عنهم من جهة المعايشة الحسية؛ فهم يأكلون ويموتون، مما ينفي عنهم الألوهية من جهة، وينفي استنكار بعثتهم من جنس البشر من جهة أخرى.
التوازن في وصف الأنبياء: الآية تقطع الطريق على طرفي الإفراط والتفريط:
تفريط المشركين الذين استنكفوا عن اتباعهم لكونهم يأكلون الطعام.
وإفراط الغالين (كالنصارى) الذين ادعوا في عيسى الألوهية؛ فالذي يأكل الطعام ويموت لا يصلح أن يكون إلهاً بحال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تأليه عيسى وعزير:
تقرير الحجة القرآنية الدامغة: استدل القرآن بحاجة الأنبياء إلى الطعام ونفي الخلود عنهم على استحالة ألوهيتهم، كما قال في المائدة: {كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [المائدة: 75].
المحاكمة العقلية:
الأكل علامة فقر واحتياج وافتقار إلى ما يقيم البنية، وما يعقبه من ثقل وإخراج يتنزه عنه الإله الحي القيوم الغني عن العالمين.
والموت والفناء برهان حدوث ونقص؛ فالإله الحق هو الحي الذي لا يموت: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ}. فثبت بالبرهان الضروري أن الرسل عباد مكرمون لا آلهة معبودون.
تنكير كلمة {جَسَدًا} وإفرادها يدل على الماهية؛ أي لم نجعل ذواتهم من طبيعة مفارقة لطبيعة البشر، بل طبيعة مجسدة تأكل وتجوع وتتألم.
نفي الخلود {وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} تقرير لحقيقة الوجود الإنساني؛ فالموت كأس يدور على سائر الخليقة ولا يستثنى منه خيرة البرية وصفوة الخلق.
الإشارة التدبرية: إذا كان الرسل الكرام وهم أشرف الخلق وأحبهم إلى الله لم يخلدوا في الدنيا وذاقوا الموت، فكيف يطمع المغتر بطول البقاء فيها ويؤثر دار الفناء على دار البقاء؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ عقيدة التوحيد الصافي: تحرير العقول من الغلو في الصالحين والأنبياء؛ فالنبي عبد يُطاع ويُتبع ولا يُعبد، وله المحبة والتعظيم دون صرف شيء من خصائص الربوبية له.
مواساة النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه: تنبيه النبي صلى الله عليه وسلم على أن ما يلقاه من ألم الجوع أو التعب أو مفارقة الدنيا هو قدر الأنبياء قبله، فليستقر قلبه على الصبر والاحتساب.
الزهد في الدنيا الفانية: الدنيا دار ممر لا دار مقر؛ لو خلد فيها أحد لخلد أنبياء الله ورسله، ولكنها معبر للآخرة.