تفسير الآية والاحتجاج بالحفظ الإلهي وفضح الجحود: يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوجه سؤالاً استنكارياً مفحماً لهؤلاء المشركين المعاندين: من الذي يحرسكم ويحفظكم ويدافع عنكم في ظلمات الليل ووضح النهار إن نزل بكم بأس الرحمن ونقمته؟! لا أحد يملك لكم حفظاً ولا وقاية؛ ولكن مع حاجتكم المطلقة إلى حفظه ورعايته فإنكم تعرضون عن توحيده وتلاوة كتابه وذكره! قال ابن جرير الطبري (ج 18، ص 462)مصدر غير محدد١٨/٤٦٢: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المستعجلين بالعذاب: من يحفظكم ويحرسكم بالليل إذا نمتم، وبالنهار إذا تفرقتم لمعايشكم، من بأس الرحمن وعذابه إن أراد بكم سوءاً ونقمة؟! لا أحد يكلؤكم من ذلك غيره سبحانه، بل هؤلاء المشركون عن القرآن ومواعظ ربهم وتذكيره إياهم معرضون لاهون».
الآثار في معنى (يكلوكم): قال قتادة وابن عباس ومجاهد: «من يكلؤكم: أي من يحرسكم ويحفظكم؛ والكلأ في كلام العرب: الحراسة والحفظ؛ يقال: كَلأَكَ اللهُ كِلاءةً: أي حَرَسَكَ وحَفِظَكَ؛ ومنه الحديث النبوي: نَوْمَةٌ كَلأَنَا اللَّهُ فِيهَا».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
يكلؤكم: من الكلأ والكلاءة بالهمز، وهو الحفظ والحراسة من المخاوف والآفات في النوم واليقظة.
من الرحمن: (من) هنا تحتمل معنيين:
إما بمعنى (بدل الرحمن)؛ أي من يحرسكم بدلاً منه ومن دونه؟
وإما لابتداء الغاية والمجاوزة؛ أي من يمنعكم ويجيركم من بأس الرحمن وعذابه؟ وكلا المعنيين عظيم ومقصود.
الذكر: القرآن الكريم والموعظة الإلهية والتوحيد.
الإعراب التركيبي:
قُلْ: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل أنت.
مَن: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ يفيد الإنكار والتقرير.
يَكْلَؤُكُم: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على (مَن)، والكاف مفعول به والميم للجمع؛ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ (مَن)، والجملة مقول القول.
بِاللَّيْلِ: جار ومجرور متعلق بـ (يكلؤكم).
وَالنَّهَارِ: معطوف على الليل مجرور بالكسرة.
مِنَ الرَّحْمَٰنِ: جار ومجرور متعلق بـ (يكلؤكم)؛ لتضمينه معنى (يحميكم أو يمنعكم من).
بَلْ: حرف إضراب انتقالي وإبطالي.
هُمْ: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
عَن ذِكْرِ: جار ومجرور متعلق بـ (معرضون)، وهو مضاف.
رَبِّهِم: مضاف إليه مجرور، والهاء مضاف إليه.
مُّعْرِضُونَ: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة استئنافية لبيان قبح حالهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إلزام الفطرة بالحاجة الدائمة إلى الرعاية الإلهية: لما أثبت في الآية السابقة نزول العذاب وحيوقه بالمستهزئين، واجههم هنا بواقعهم الضعيف؛ فالإنسان ضعيف عاجز ينام في الليل كالميت لا يملك دفع عقرب ولا حشرة ولا كارثة، ويتحرك في النهار محاطاً بالأخطار؛ فمن الذي يحفظه في هذه التقلبات إلا الرحمن؟! فكيف يستكبر من هذا حاله عن عبادة حافظه ورازقه؟!
المقابلة البديعة بين (الرحمن) و(ذكر ربهم): ذكر اسم (الرحمن) في موضع الخوف والكلأ؛ للإشعار بأن حفظهم في الليل والنهار إنما هو من سعة رحمته وفضله؛ ثم قابل ذلك بقوله: {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ}؛ فبين شناعة اللؤم البشري حين يقابل رحمة الحافظ بالإعراض والجحود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الأمان الموهوم بالأسباب المادية والتحصينات:
تقرير الغرور البشري: يظن الإنسان المعاصر أو الجاهلي أن قلاعه وجيوشه وحراساته وأجهزته التقنية تحرسه وتمنع عنه الأخطار!
المحاكمة وتفنيد الشبهة:
الأسباب المادية وسيلة محضة، ولكن الحافظ الحقيقي هو الله تعالى؛ فكم من محصن في قصره اغتيل في فراشه أو أصابته جلطة في قلبه وهو بين حراسه، أو ابتلعته الأرض بزلزال لا تردعه الجيوش! فالحفظ المطلق لله وحده: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 64]. والاعتماد على المخلوق في دفع عذاب الله جهل وسفاهة.
الاستفهام في {مَن يَكْلَؤُكُم} استفهام إنكاري تقريري لا جواب له إلا: (الله وحده)؛ مما يلزمهم بالاعتراف بضعفهم وفقرهم التام.
الطباق بين {اللَّيْلِ} و{النَّهَارِ} لاستيعاب سائر حالات الإنسان؛ في نومه ويقظته، وسكونه وحركته.
الإشارة التدبرية: إذا أويت إلى فراشك في ظلمات الليل فتذكر كلاءة الله لك؛ ينبض قلبك وتتنفس رئتاك وتتحرك دماؤك بحفظ الله وأنت غائب عن الوعي؛ فكيف تصبح في نعمته وتستعين بها على معصيته؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار معية الحفظ والامتنان: المؤمن يستشعر نعم الله الخفية في دفع البلايا قبل وقوعها؛ فكم صرف الله عنا من آفات وحوادث لم نعلم بها بفضله وكلاءته!
أذكار الصباح والمساء والنوم: التزام الأذكار المشروعة استجلاب لكلاءة الله وحفظه؛ فمن قرأ آية الكرسي حين يأوي إلى فراشه لم يزل عليه من الله حافظ حتى يصبح.
معالجة قسوة القلوب: التذكير بنعم الرعاية والحفظ دواء ناجع للقلوب الغافلة لترجع إلى ذكر ربها.