تفسير الآية ونفي الصاحبة والولد: تنزه الآية الكريمة الذات الإلهية عن اتخاذ الصاحبة والولد، وعن كل ما يتلهى به العابثون؛ رداً على من نسب إلى الله الشريك أو الولد كالنصارى وقريش الذين زعموا أن الملائكة بنات الله. قال الإمام الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 427)مصدر غير محدد١٨/٤٢٧: «يقول تعالى ذكره: لو أردنا أن نتخذ لهواً؛ واختلف أهل التأويل في معنى اللهو هنا:
فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والسدي: اللهو في لسان حمير واليمن هو المرأة؛ أي لو أردنا أن نتخذ صاحبة وولداً لاتخذناه من عندنا ومن قدرتنا ومما يلينا من خلقنا من الحور العين والملائكة، ولم نتخذه من أرضكم وإنسكم، ولكننا لم نفعل ولا يليق بنا؛ لأننا منزهون عن اتخاذ الصاحبة والولد.
وقال آخرون: اللهو هو اللعب والعبث؛ أي لو جاز في حكمتنا أن نلعب لاتخذنا ذلك من عندنا، ولكننا لا نلعب ولا نفعل الباطل تنزهاً وعلواً».
معنى {إِن كُنَّا فَاعِلِينَ}:
قال قتادة ومجاهد وابن جرير: (إن) هنا نافية بمعنى (ما)؛ أي: ما كنا فاعلين ذلك قط؛ لامتناعه عقلاً وتنزهاً في حقنا؛ كقوله: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81]، أي ما كان له ولد.
وقيل: شرطية تفيد التعليق على الامتناع لبيان الاستحالة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
اللهو: ما يتلهى به الإنسان لقطع الوقت، واستعمل في لغة حمير في الصاحبة والولد.
لدنا: اللدن: ظرف مكان مبني يدل على القرب والخصوصية الشديدة عند المتكلم؛ أي من عندنا ومن خواص خلقنا كالملائكة.
إن كنا فاعلين: (إن) إما نافية بمعنى (ما)، وإما شرطية تدل على الامتناع.
الإعراب التركيبي:
لَوْ: حرف امتناع لامتناع (شرط غير جازم).
أَرَدْنَا: فعل ماض وفاعله، والجملة فعل الشرط.
أَن نَّتَّخِذَ: (أن) مصدرية ناصبة، و(نتخذ) فعل مضارع منصوب بالفتحة، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن؛ والمصدر المؤول من أن والفعل في محل نصب مفعول به لـ (أردنا).
لَهْوًا: مفعول به لـ (نتخذ) منصوب بالفتحة الظاهرة.
لَّاتَّخَذْنَاهُ: اللام واقعة في جواب (لو)، و(اتخذناه) فعل ماض وفاعله ومفعوله؛ والجملة جواب الشرط لا محل لها من الإعراب.
مِن لَّدُنَّا: جار ومجرور متعلق بـ (اتخذناه)، و(نا) مضاف إليه.
إِن كُنَّا فَاعِلِينَ: (إن) نافية لا عمل لها، (كنا) فعل ماض ناقص ونا اسمها، و(فاعلين) خبر كان منصوب بالياء؛ والمعنى: ما كنا فاعلين ذلك لاستحالته في حقنا. (أو إن شرطية وجوابها محذوف دل عليه ما قبله).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إلزام الخصم على الفرض الجدلي: هذا من أعلى فنون الحجاج والمناظرة البرهانية في النظم القرآني؛ فبعد أن نفى اللعب في الآية السابقة، تنزل جدلياً مع الخصم: هب أن إرادة اتخاذ اللهو والصاحبة والولد ممكنة فرضاً ومحالاً، فهل يعقل أن يتخذ رباً قادراً عظيماً صاحبة وولداً من بني آدم الضعفاء المقيمين في الأرض؟! بل كان يتخذه مما يلي عظمته وجلاله من عالم الغيب والملأ الأعلى؛ فإذا بطل الفرض العقلي، ثبتت استحالة دعواهم من كل وجه.
الحسم بالنفي القاطع في {إِن كُنَّا فَاعِلِينَ}: ختمت الجملة بنفي الفعل لتحقيق التنزيه المطلق؛ فلا إرادة ولا فعل، بل كمال الألوهية والغنى عن الصاحبة والولد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة الولد والصاحبة إلى الله (تفنيد عقائد الشرك والوثنية والتثليث):
تقرير الإشكال: ادعى مشركو العرب أن الملائكة بنات الله، وادعى النصارى أن عيسى ابن الله!
المحاكمة العقلية الصارمة:
استحالة المجانسة: الولد لا يكون إلا من جنس والده؛ والله سبحانه فرد صمد لا نظير له ولا شبيه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، فكيف يكون له ولد وليس له جنس يماثله؟!
حاجة الولد والصاحبة تناقض كمال الغنى: اتخاذ الزوجة والولد علامة النقص والحاجة إلى الأنس والاستعانة والبقاء بعد الفناء، والرب جل وعلا هو الحي القيوم الغني الحميد الذي قامت به السماوات والأرض، وكل من في السماوات والأرض عباد له مقهورون بسلطانه: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا} [مريم: 93].