تفسير الآية وقصة لوط وتطهير الأرض من الخبائث: ينتقل السياق إلى نبي الله لوط عليه السلام؛ مبيناً أن الله تعالى آتاه الحكمة وفصل الخطاب، والقضاء بالعدل، والعلَم بالله وبشريعته وأحكامه، ونجاه بفضله ورحمته هو وأهله المؤمنين من أهل قريته (سدوم) وقرى قومه المجرمين الذين كانوا يقترفون الفواحش المنكرة المستقبحة كإتيان الذكور وقطع السبيل؛ فوصفهم الله بأنهم كانوا قوم سوء متمردين خارجين عن طاعة الله والفطرة السوية. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 504)مصدر غير محدد١٨/٥٠٤: «يقول تعالى ذكره: واذكر لوطاً آتيناه حكماً؛ وهو النبوة وفصل القضاء بين الخصوم، وعلماً بأمر دينه وأحكام ربه، ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث؛ يعني قريته سدوم، وكانت الخبائث التي يعملونها: إتيان الذكور في أدبارهم، والضراط في مجالسهم، ومظالمهم، وخذفهم من مر بهم، وقطع السبيل؛ إنهم كانوا قوم سوء فاسقين: أي قوم شر وفجور وخروج عن طاعة الله وأمره».
الآثار في معنى (حكماً وعلماً):
قال ابن عباس ومجاهد: «حكماً: النبوة والفصل بين الناس بالعدل، وعلماً: معرفة أحكام الشريعة وبصيرة بالتوحيد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الحكم: الحكمة وفصل القضاء بين المتنازعين، والنبوة والتشريع.
القرية: مدينة سدوم وقرى قوم لوط الخمس (المؤتفكات).
الخبائث: جمع خبيثة؛ وهي كل ما يستقبحه العقل السليم وتأباه الفطرة المستقيمة وتذمه الشريعة؛ والمراد هنا فاحشة اللواط وسائر منكراتهم.
فاسقين: الفسق في الأصل خروج الثمرة أو الفأرة من قشرتها؛ والمراد الخروج المتمرد عن حدود طاعة الله والفطرة الإنسانية.
الإعراب التركيبي:
وَلُوطًا: الواو عاطفة، (لوطاً) مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده على الاشتغال تقديره: وآتينا لوطاً، أو اذكر لوطاً منصوب بالفتحة الظاهرة.
آتَيْنَاهُ: فعل ماض وفاعله ومفعوله الأول (الهاء).
حُكْمًا: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَعِلْمًا: معطوف منصوب بالفتحة.
وَنَجَّيْنَاهُ: الواو عاطفة، فعل ماض وفاعله ومفعوله.
مِنَ الْقَرْيَةِ: جار ومجرور متعلق بـ (نجيناه).
الَّتِي: اسم موصول مبني في محل جر نعت لـ (القرية).
كَانَت: فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هي يعود على القرية.
الْخَبَائِثَ: مفعول به لـ (تعمل) منصوب بالفتحة؛ وجملة كان صلة الموصول لا محل لها.
إِنَّهُمْ: (إنّ) حرف توكيد ونصب، وهم اسمها.
كَانُوا: فعل ماض ناقص والواو اسمها.
قَوْمَ: خبر كان منصوب بالفتحة وهو مضاف.
سَوْءٍ: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
فَاسِقِينَ: نعت لـ (قوم) منصوب بالياء؛ وجملة كانوا خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليلية لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز تباين البيئة وطهارة النبي المصلح: تبرز الآية المفارقة العجيبة بين بيئة القرية الغارقة في الفواحش {كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ}، وبين شخصية لوط المؤيد بالحكم والعلم {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا}؛ لبيان أن المؤمن المعتصم بربه يستطيع أن يحفظ طهارته وبصيرته ولو عاش في أقذر المجتمعات انحلالاً.
إسناد العمل إلى القرية مجازاً {كَانَت تَّعْمَلُ}: أسند العمل للقرية لتصوير أن الفاحشة لم تكن مجرد سلوك فردي سري، بل تحولت إلى ظاهرة عامة مجتمعية ومؤسسية تمارسها القرية بأسرها في أنديتها ونواديها المجاهرة بالمعصية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تسويغ الشذوذ والفواحش بدعوى الحرية الفردية (المفاهيم المعاصرة):
تقرير الانحراف الأخلاقي الحديث وتفنيده: يزعم المنحرفون في العصر الحديث أن الشذوذ الجنسي (المثلية) حرية شخصية وهويات بيولوجية مقبولة!
المحاكمة القرآنية الفطرية الصارمة:
سمى القرآن هذا السلوك {الْخَبَائِثَ} ووصف أصحابه بأنهم {قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ}؛ لأن هذا الانحراف نسف للسنن الكونية، وهدم لمؤسسة الأسرة وتناسل البشر، وانتكاس عن مرتبة الإنسانية المكرمة إلى ما تتنزه عنه سائر البهائم في الطبيعة؛ فالشريعة والعقل يحكمان بأنه خَبَثٌ يقتضي التطهير والعقاب، وتسميته حرية هو تزوير للحقائق وانتكاس للفطرة.
تعليل إهلاكهم ونجاة لوط بالجملة الاسمية المؤكدة {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} لبيان أن عقوبة الاستئصال بالخسف وحجارة السجيل لم تكن ظلماً، بل كانت جزاءً وفاقاً لرسوخ السوء والفسق والتمرد في جبلتهم وسلوكهم.
التعبير بـ {الْخَبَائِثَ} بجمع الكثرة المحلى بـ (أل) للدلالة على استمراء كل قبيح ورذيلة.
الإشارة التدبرية: النجاة الحقيقية هي نجاة الدين والعقيدة والطهارة الأخلاقية وسط مجتمعات الانحلال؛ فمن حفظ الله في بيئات الفتن حفظه الله ونجاه من عواقب الهلاك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاربة الشذوذ والمنكرات الأخلاقية بحزم: واجب الأمة والمربين حماية الفطرة والأسرة من لوثات الانحراف الأخلاقي المعاصر والصدع بحرمة هذه الفواحش.
التسلح بالحكم والعلم في مواجهة الفتن: الحكمة والعلم الشرعي هما الدرع الحافظ للمسلم والداعية عند مواجهة المجتمعات الفاسدة.
الإنكار المجتمعي للمنكرات: السكوت عن المجاهرة بالخبائث ينزل العقوبات العامة على المجتمعات؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام الأمان.