تفسير الآية وسر استدراج الكفار ونقص الأرض من أطرافها: يكشف الله تعالى العلة الحقيقية وراء تمادي هؤلاء المشركين في كفرهم وغرورهم؛ وهي استدراجهم بالمتع الدنيوية وإمهالهم وإعطاؤهم الرخاء وطول الأعمار حتى توهموا أن هذا الرضا الإلهي عنهم، فنسوا الموت والحساب؛ ثم يقرعهم بآية مشهودة تنبئ عن قرب زوالهم وهزيمتهم: ألم يروا أن سنة الله ماضية في إنقاص الأرض وبلدان الشرك من أطرافها بفتوح المسلمين وإعلاء كلمة الإسلام وتقلص رقعة الكفر واندثار الأمم الظالمة؟! أفهم الغالبون لأمر الله ورسوله؟! كلا بل هم المغلوبون. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 464)مصدر غير محدد١٨/٤٦٤: «يقول تعالى ذكره: ما بآلهتهم منعناهم، بل متعنا هؤلاء المشركين وآباءهم من قبلهم بنعمنا في الدنيا، حتى طال عليهم العمر، فطالت أعمارهم وأعمار آبائهم في الرخاء والنعمة والأمن، فقست قلوبهم، وظنوا أنهم لا يعذبون، أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها؟!
أقوال السلف في معنى (ننقصها من أطرافها):
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن: «ننقصها من أطرافها: يعني فتح ديار الشرك وقراهم قرية بعد قرية ونقصها بالإسلام وظهور محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليها، وموت أكابرهم وفقهائهم وخيارهم؛ فكلما فتح المسلمون قرية نقصت من أرض الكفر وازدادت في أرض الإسلام».
وقال عكرمة والشعبي: «ننقصها من أطرافها: بموت علمائها وخيار أهلها وفساد ثمارها».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
متعنا: الإمتاع هو التمكين من التمتع بالشهوات واللذات زمناً؛ والمتعة الانتفاع المؤقت الذي ينقضي سريعاً.
طال عليهم العمر: امتدت بهم السنون في العافية والنعمة من غير عقوبة ولا منغصات.
أطرافها: جمع طرف، وهو جانب الشيء وحدوده ونواحيه.
الغالبون: اسم فاعل من غلب يغلب غلبة؛ وهو القاهر المنتصر.
الإعراب التركيبي:
بَلْ: حرف إضراب انتقالي.
مَتَّعْنَا: فعل ماض وفاعله.
هَٰؤُلَاءِ: الها للتنبيه، و(أولاء) اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به أول أو مفعول به.
وَآبَاءَهُمْ: الواو عاطفة، (آباءهم) معطوف على اسم الإشارة منصوب بالفتحة، والضمير مضاف إليه.
حَتَّىٰ: حرف غاية وجر لانتهاء الغاية الزمانية.
طَالَ: فعل ماض مبني على الفتح.
عَلَيْهِمُ: جار ومجرور متعلق بـ (طال).
الْعُمُرُ: فاعل لـ (طال) مرفوع بالضمة الظاهرة؛ والمصدر المؤول من أن والفعل في محل جر بـ (حتى).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحليل علة الغرور والاستدراج: كشفت الآية الداء النفسي الذي يحجب المشركين عن الاستجابة للوحي؛ وهو (طول الأمل والتمتع بالدنيا)؛ فلما ورثوا النعمة كابراً عن كابر من غير أن يصيبهم بأس، ظنوا أن هذا إكرام ذاتي لهم، فغفلوا عن مكر الله واستدراجه.
التحدي بالواقع الميداني المتغير: واجههم بالواقع الجغرافي والسياسي المتغير أمام أعينهم؛ فرسالة الإسلام بدأت برجل واحد في مكة، ثم ها هي تنتشر في قبائل العرب وتتآكل أطراف بلاد الشرك قرية بعد قرية، فهذا الزحف المستمر برهان عملي على نصر الله لرسوله؛ فكيف يتوهمون بعد ذلك أنهم هم الغالبون؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التوهم بأن بسطة الرزق وطول العمر علامة رضا ومحبة إلهية:
تقرير الخلل الإدراكي: قاس المشركون محبة الله لهم على كثرة أموالهم وأولادهم وطول أعمارهم!
المحاكمة وتفنيد الشبهة:
سنة الاستدراج والإملاء: الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة؛ فالله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا لمن أحب؛ وعطاء الدنيا للكافر استدراج ليزداد إثماً فتكون عقوبته أشد: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55-56].
حتمية الغلبة لأمر الله: الاستدلال بانتقاص الأرض من أطرافها برهان تاريخي وجيولوجي قاطع؛ فإن كل قوة ظالمة تبدأ بالتآكل من أطرافها حتى تسقط في مركزها؛ فكيف يطمع المشرك المهزوم في الغلبة على أمر الله؟!
الاستفهام في {أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} حصر وقصر لصفة الغلبة منفية عنهم ومنسوبة لله ولرسوله؛ أي: ليسوا هم الغالبين بأي حال، بل هم المغلوبون المقهورون المأخوذون بنقمة الله.
التعبير بـ {نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} تصوير مهيب لهيبة السلطان الإلهي الذي يزحف بأمره وقدره فيطوي أطراف الأرض ويزيل ممالك الطغيان دون أن يقف في وجهه راد.
الإشارة التدبرية: احذر يا عبد الله أن تطول عليك الأيام في النعمة وأنت مقيم على المعصية؛ فإن ذلك هو الاستدراج الذي يسبق الأخذ الأليم، وجدد توبتك مع كل نفس يمد الله به في عمرك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قراءة حركة التاريخ وسنن التدافع: التفاؤل واليقين بأن دين الله ظاهر، وأن الباطل يتآكل وينقص من أطرافه مهما بدت عليه مظاهر القوة في الظاهر.
الحذر من طول الأمل وقسوة القلوب: طول الأمل يورث الغفلة وقسوة القلب؛ والمؤمن يستحضر دنو الأجل وضرورة العمل.
الاستعداد ليوم الغلبة والتمكين: نصر الله آت لا ريب فيه؛ والعاقبة للمتقين في كل زمان ومكان.