تفسير الآية وقصة يونس ودعاء الكرب العظيم في بطن الحوت: يذكر الله تعالى نبيه يونس بن متى عليه السلام، الملقب بـ (ذي النون)؛ أي صاحب الحوت (والنون الحوت العظيم)؛ حين ضاق صدره بإصرار قومه في نينوى على الكفر بعد طول دعوته لهم، فخرج من بين أظهرهم غضباً لله ولدينه قبل أن يأذن الله له بالهجرة، وظن أن الله لن يضيق عليه بتكليف أو ابتلاء، فركب في السفينة فالتقمه الحوت، فنادى ربه في حلكة الظلمات الثلاث بكلمات التوحيد والتنزيه والاعتراف بالذنب: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 529)مصدر غير محدد١٨/٥٢٩: «يقول تعالى ذكره: واذكر صاحب الحوت يونس بن متى، إذ ذهب مغاضباً لقومه بسبب إقامتهم على كفرهم وإعراضهم عن دعوته، فظن أن لن نقدر عليه؛ أي فظن أن لن نضيق عليه في بطن الحوت ونبتليه بالحبس؛ من قول الله تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرعد: 26]؛ أي يضيق، ولم يظن عجز الله حاشاه، فنادى في الظلمات: نادى في ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين؛ فوحد ربه ونزهه عن كل نقص وظلم، وأقر بظلمه في خروجه من بين قومه قبل إذن ربه».
الأحاديث والآثار النبوية في فضل دعوة ذي النون:
روى الترمذي في سننه (رقم 3505)مصدر غير محددحديث رقم ٣٥٠٥ وأحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ».
وروى أحمد وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنْكُمْ كَرْبٌ أَوْ بَلَاءٌ مِنْ بَلَايَا الدُّنْيَا دَعَا بِهِ يُفَرَّجُ عَنْهُ؟ دُعَاءُ ذِي النُّونِ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
ذا النون: النون الحوت في لغة العرب، وجمعه نينان وأنوان؛ ولقب به يونس لملازمة الحوت له والتقامه إياه.
مغاضباً: المفاعلة هنا إما مغاضباً لقومه لكفرهم وتمردهم، وإما غضباناً من شأنهم لله تعالى؛ ولم تكن مغاضبة لربه قط بإجماع المسلمين.
لن نقدر عليه: من قَدَرَ عليه الرزق يَقْدِرُ إذا ضيقه؛ ومنه قوله: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: 7]؛ أي ظن أن لن نضيق عليه في بطن الحوت بحبسه.
الظلمات: جمع ظلمة؛ وهي ظلمة بطن الحوت، وظلمة قعر البحر، وظلمة الليل البهيم.
الإعراب التركيبي:
وَذَا: الواو عاطفة، (ذا) مفعول به لفعل محذوف تقديره واذكر ذا، منصوب بالألف لأنه من الأسماء الستة وهو مضاف.
النُّونِ: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
إِذ: ظرف زمان مبني في محل نصب بدل اشتمال أو متعلق بالفعل المحذوف.
ذَّهَبَ: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو.
مُغَاضِبًا: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من الضمير المستتر في (ذهب).
أَن: مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف تقديره (أنه).
لَّن: حرف نفي ونصب واستقبال.
نَّقْدِرَ: فعل مضارع منصوب بالفتحة الظاهرة، والفاعل نحن للتعظيم؛ وجملة لن نقدر في محل رفع خبر (أن) المخففة، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي (ظن).
عَلَيْهِ: متعلق بـ (نقدر).
فَنَادَىٰ: الفاء عاطفة، فعل ماض مبني على الفتح المقدر للتعذر، والفاعل هو.
فِي الظُّلُمَاتِ: جار ومجرور متعلق بـ (نادى).
أَن: مفسرة لا محل لها، أو مخففة من الثقيلة.
لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ: (لا) نافية للجنس واسمها مبني على الفتح وخبرها محذوف تقديره حق، (إلا) أداة حصر، (أنت) ضمير منفصل بدل من الضمير المستتر في الخبر المحذوف.
سُبْحَانَكَ: مفعول مطلق لفعل محذوف منصوب وهو مضاف والكاف مضاف إليه.
إِنِّي: (إنّ) واسمها.
كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ: كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر إن؛ وجملة النداء والتوحيد في محل نصب مقول القول لـ (نادى).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أسرار الدعاء الإعجازي وبراعة نظمه وعناصره الثلاثة: جمع دعاء ذي النون أصول التوحيد والتوسل في نسق معجز:
التنزيه المطلق للرب عن كل نقص وعيب وظلم: {سُبْحَانَكَ}.
الاعتراف التام بالذنب والافتقار والمسكنة: {إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.
فلما اجتمع التوحيد والتنزيه والانكسار صار هذا الدعاء أرجى دعاء لفك الكروب وإزالة الغموم.
تصوير طبقات الظلمات {فِي الظُّلُمَاتِ}: الجمع بـ (الظلمات) يجسد الانقطاع الحسي التام عن سائر أسباب الأرض؛ ففي قاع البحر وتحت لجة الليل وفي جوف كائن مائي عملاق لا يملك أحد في الكون أن يسمع صوتاً ولا يرى أثراً، ولكن أذن السماء سمعت الهمس الخافت واخترقت الرحمة طبقات الظلام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة معنى {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} وتنزيه يونس عن الشك في قدرة الله:
تقرير الإشكال والشبهة عند الملاحدة والجهال: زعم بعض الطاعنين أن يونس ظن أن الله يعجز عنه ولا يقدر على الإمساك به!
رد أهل السنة وأئمة اللغة والتفسير القاطع:
معنى القدر في لغة القرآن هو التضييق لا العجز: أجمع أئمة التفسير واللغة (كالطبري والزجاج وابن قتيبة والقرطبي وابن كثير) على أن لفظ (نقدر) هنا مشتق من القَدْر بمعنى التضييق، كقوله تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} [سبأ: 39]، وقوله: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} [الفجر: 16]؛ أي ضيق عليه؛ والمعنى: ظن يونس أن لن نضيق عليه بالحبس والابتلاء لمغادرته قومه، ولم يخطر بباله لحظة الشك في قدرة الله؛ لأن الشك في قدرة الله كفر صريح يمتنع على آحاد المؤمنين فكيف بنبي كريم معصوم من أولي العزم والرسالة؟!
عصمة الأنبياء في النوايا والتوحيد: يونس عليه السلام خرج غضباً لله ولدينه، ولكن خطأه كان في استعجال الخروج قبل أن يأتيه الإذن الصريح من ربه بالهجرة؛ فعاتبه الله ببطن الحوت أدباً وتزكية لمقامه النبوي الشريف.
في قوله: {إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} هضم للنفس وتبرئة لساحة الرب وتنزيهه؛ فلم يقل: لم فرجت عن قومي وعاقبتني؟ بل جعل اللوم كله على نفسه؛ وهذا أصل النجاة في كل محنة.
إطلاق لفظ {الظُّلُمَاتِ} بدون قيد يفتح الذهن على كل ظلمة مادية ومعنوية؛ ظلمة الكرب، وظلمة الحزن، وظلمة الوحدة، وظلمة البحر والحوت.
الإشارة التدبرية: مهما تعقدت حولك الأزمات وتراكمت عليك الظلمات حتى بلغت قاع البحر في بطن الحوت، فإن كلمة التوحيد الصادقة {لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ} كفيلة بأن تخرق حجب الظلام وتصعد إلى عرش الرحمن لينزل الفرج فوراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سلاح المؤمن في تفريج الهموم: وصية النبي صلى الله عليه وسلم لكل مكروب أن يلهج بكلمات يونس: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»؛ فما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه.
الأدب والاعتراف بالتقصير عند نزول البلاء: المسلم الصادق يتهم نفسه دائماً بالتقصير ولا يبرئها أمام الله؛ فالتوبة والاعتراف بالظلم هما مفتاح الرحمة.
الصبر على تكاليف الدعوة وعدم اليأس من المدعوين: تعلم الداعية من قصة يونس ألا يستعجل مغادرة ميدان الدعوة واليأس من الناس حتى يستنفد كل الأسباب ويأذن الله له.