تفسير الآية والمعجزة الخالدة في تعطيل الإحراق: لما ألقى الطغاة خليل الرحمن إبراهيم في لجة النار العظيمة مكتوفاً بالمنجنيق، صدر الأمر الإلهي التكويني النافذ من خالق النواميس إلى جوهر النار ذاته: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}، فانقلبت النار المستعرة في لحظة إلى روضة خضراء نسيمها بارد رطب، وسلب الله منها خاصية الإحراق والإيذاء مع بقاء ضوئها، فصار إبراهيم فيها منعماً مكرماً لم يحترق منه إلا وثاقه. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 494)مصدر غير محدد١٨/٤٩٤: «يقول تعالى ذكره: فلما ألقوا إبراهيم في النار، خاطبنا النار وقلنا لها: كوني برداً على إبراهيم لا تؤذيه بحرك وحريقك، وسلاماً: لا تضريه ببردك؛ فلو قال: كوني برداً، ولم يقل: وسلاماً، لأهلك إبراهيم بردها، ولكن جعلها برداً وسلاماً؛ فلم تؤذِه بحر ولا ببرد، وكانت عليه برداً وسلاماً نجاة وعافية».
الأحاديث والآثار النبوية في نجاة الخليل وتفاصيل المشهد:
روى البخاري في صحيحه (رقم 4563)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٦٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ؛ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالُوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}».
وروى البخاري (رقم 3359)مصدر غير محددحديث رقم ٣٣٥٩ وأحمد عن أم شريك رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم «أَمَرَ بِقَتْلِ الوَزَغِ، وَقَالَ: كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ».
وقال علي بن أبي طالب وابن عباس: «لم تحرق النار من إبراهيم إلا كتافه وحباله التي أوثقوه بها، وجلس في وسط النار وفيها عين ماء وظل بارد، فكان يقول: ما كنت في أيام قط أنعم ولا أطيب عيشاً من الأيام التي كنت فيها في النار!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
يا نار: نداء مباشر موجه لجوهر النار؛ والأمر أمر تكويني قدري لا تخلف معه.
برداً: البرد نقيض الحر، وهو اعتدال اللطافة وخلوها من الإحراق.
سلاماً: السلام هو السلامة والأمن من كل آفة ومكروه وهلاك.
الإعراب التركيبي:
قُلْنَا: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بـ (نا)، و(نا) فاعل.
يَا نَارُ: (يا) حرف نداء، و(نار) منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب.
كُونِي: فعل أمر ناقص ناسخ مبني على حذف النون، والياء ضمير متصل مبني في محل رفع اسمها.
بَرْدًا: خبر كان أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَسَلَامًا: معطوف على (برداً) منصوب بالفتحة الظاهرة.
عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ: جار ومجرور متعلق بـ (سلاماً) أو بمحذوف نعت لـ (سلاماً)، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف؛ وجملة النداء والأمر مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
خضوع نواميس المادة لأمر خالقها المباشر: صاغ النظم القرآني المعجزة في خطاب إلهي مباشر وجيز: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}؛ للدلالة على أن عناصر الكون وقوانين الفيزياء (كخاصية الاحتراق والأكسدة والحرارة) ليست قوى ذاتية مستقلة، بل هي جنود مسخرة ومخلوقة لله تبارك وتعالى تأتمر بأمره وتسلب خواصها في طرفة عين إذا شاء.
اقتران (سلاماً) بـ (برداً): أجمع المفسرون على دقة النظم القرآني المعجز؛ فلو اقتصر على قوله (كوني برداً) لمات إبراهيم من شدة الزمهرير والصقيع؛ لأن البرد المطلق قاتل كالجمود، فجاءت كلمة {وَسَلَامًا} لتعدل البرودة وتجعلها عافية وسلامة وطمأنينة ملائمة لحياة الجسد الإنساني.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير الإلحاد المادي في استحالة انطفاء حرارة النار عن إبراهيم: يزعم الماديون أن قوانين الطبيعة حتمية عمياء لا تتغير ولا يمكن للنار ألا تحرق الجسد البشري!
المحاكمة العقلية والفيزيائية السنية:
الفرق بين السببية والفاعلية الحقيقية: أهل السنة والجماعة يقررون أن النار سبب عادي للإحراق وليست فاعلة بذاتها؛ فالذي يخلق الإحراق عند مماسة النار للجسد هو الله تعالى، وهو سبحانه القادر على نزع خاصية الإحراق من النار كما ينزع الكهرباء من السلك المقطوع؛ فالقوانين الطبيعية ليست إلهاً، بل هي مشيئة إلهية مطردة، وخالق الناموس قادر على تعطيل ناموسه متى شاء لإظهار آياته: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54].
تقييد الخطاب بإبراهيم {عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}: قال ابن عباس: «لو لم يقل: على إبراهيم، لبطل حر كل نار في الأرض إلى يوم القيامة»؛ ولكن قيد الأمر بذات إبراهيم لتكون معجزة خاصة به وحجة على قومه، فبقيت سائر النيران تحرق الحطب حوله وهو جالس وسطها في سلام!
نداء الجماد بـ {يَا نَارُ} استعارة مكنية؛ نُزلت النار منزلة العاقل السميع المطيع الممتثل لأمر مولاه وخالقه؛ للدلالة على سرعة خضوع الكائنات الكونية لإرادة جلاله.
إيقاع الفاصلة {بَرْدًا وَسَلَامًا} يفيض برداً وسلاماً وطمأنينة على قلب كل تالٍ ومستمع.
الإشارة التدبرية: إذا أراد الله نجاة عبد وحفظه فلن تضره نيران الأرض كلها، وإذا تخلى الله عن عبد أهلكه بأهون الأشياء كشربة ماء؛ فاجعل اعتمادك على رب الأسباب لا على الأسباب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كلمة الفرج عند الشدائد: ملازمة قول: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ» في الملمات؛ فإنها كلمة الخلاص التي حولت النيران المحرقة إلى برد وسلام.
الاطمئنان لحفظ الله لأوليائه: قد يترك الله وليه يمر في ظروف قاسية وبلاء عظيم حتى يظن الناس هلاكه، ثم يتنزل النصر الإلهي في أحلك اللحظات: {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ... جَاءَهُمْ نَصْرُنَا}.
تسخير الكون لأهل الإيمان: كل ذرة في هذا الكون خاضعة لله؛ فإذا استقام العبد على أمر ربه سخر الله له عناصر الأرض والسماء.