تفسير الآية ومناظرة إبراهيم الأولى ومحاكمة الوثنية: يشرع القرآن في تفصيل مظاهر رشد إبراهيم عليه السلام؛ فبدأ بأول حواره البرهاني الشجاع مع أبيه آزر وقومه عباد الأصنام؛ حيث وجه إليهم سؤال استنكار وتحقير لتلك المعبودات الباطلة: ما هذه التماثيل والصور المجسمة المصنوعة من الحجارة والخشب التي عكفتم على عبادتها وملازمتها بالتقديس؟! قال الإمام الطبري (ج 18، ص 474)مصدر غير محدد١٨/٤٧٤: «يقول تعالى ذكره: آتينا إبراهيم رشده حين قال لأبيه آزر وقومه من نمرود وجماعته: ما هذه التماثيل؟ والتماثيل: جمع تمثال، وهو الشيء المصنوع المصور على صورة حيوان أو إنسان، التي أنتم لها عاكفون: أي مقيمون على عبادتها، ملازمون لخدمتها وتعظيمها؟! أنكر عليهم ذلك وعاب فعلهم في عبادتهم ما نحتوه وصنعوه بأيديهم».
الآثار في سياق دعوة إبراهيم: قال قتادة والسدي: «كان قوم إبراهيم يعبدون تماثيل أصنام نحتوها على صور الكواكب والملائكة، فبدأ إبراهيم دعوته بتسفيه عبادتها وإظهار حقيقتها الخسيسة بأنها مجرد تماثيل جوفاء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
التماثيل: جمع تمثال، وهو كل مصور ومصنوع على مثال شيء خلقه الله من حجر أو شجر أو معدن.
عاكفون: العكوف هو الإقامة والملازمة للشيء وحبس النفس عليه بنوع من التعظيم والتفرغ؛ يقال: عكف على الشيء إذا لازمه عاكفاً.
الإعراب التركيبي:
إِذْ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون متعلق بـ (رشده) أو بالفعل (آتينا) أو بمحذوف تقديره اذكر.
قَالَ: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
لِأَبِيهِ: جار ومجرور متعلق بـ (قال)، والهاء مضاف إليه.
وَقَوْمِهِ: معطوف مجرور، والهاء مضاف إليه.
مَا: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ يفيد الإنكار والتحقير.
هَٰذِهِ: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع خبر المبتدأ.
التَّمَاثِيلُ: بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان مرفوع بالضمة الظاهرة.
الَّتِي: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نعت لـ (التماثيل).
أَنتُمْ: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
لَهَا: جار ومجرور متعلق بالخبر (عاكفون).
عَاكِفُونَ: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ وجملة المبتدأ والخبر صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، وجملة الاستفهام مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البدء بالأقربين والأصل العائلي: بدأ إبراهيم خطابه بـ {لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ}؛ تطبيقاً للمنهج الدعوي الأصيل في البدء بالأقربين: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}؛ ولبيان أن رابطة الحق والتوحيد تسمو على رابطة الدم والنسب.
تجريد الأصنام من كل قداسة بلفظ (التماثيل): لم يقل: ما هذه الآلهة أو الأرباب، بل سماها بحقيقتها المادية المصنوعة {التَّمَاثِيلُ}؛ لنزع هالة القداسة الموهومة عنها فوراً، وتنبيه عقولهم إلى أنها مجرد منحوتات لا تدبر ولا تنفع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تقديس الرموز والمجسمات:
تقرير المنطق الوثني في العكوف: زعم المشركون أن هذه التماثيل ليست آلهة بذاتها، وإنما هي شواخص ورموز تستحضر البركة والقوى الغيبية!
المحاكمة العقلية الخالدة لإبراهيم:
واجههم إبراهيم بسؤال الحقيقة: كيف ينحدر العقل البشري الشريف ليعكف بذل وخضوع أمام صخرة نحتها النجار بقدومه أو شكلها الحداد بناره؟! إن الصانع أرقى من المصنوع، فكيف يعبد الصانع ما صنع بيديه؟! هذا تناقض عقلي فاضح يهدم أسس الوثنية.
الإشارة بـ {هَٰذِهِ} للقريب مع لفظ {التَّمَاثِيلُ} يحمل في طياته أسلوب الاستصغار والتهوين من شأنها؛ كأنه يشير إلى أشياء حقيرة مهملة لا قيمة لها.
التعبير بـ {عَاكِفُونَ} بصيغة اسم الفاعل الدال على الثبوت والملازمة يصور استغراقهم الغبي في تقديس هذه الأحجار.
الإشارة التدبرية: العكوف الحقيقي لا يصلح إلا لله وحده في المساجد والمحاريب؛ فمن عكف قلبه على محبة الدنيا أو الشهوات أو الأشخاص فقد جعل له تمثالاً باطناً يعكف عليه من دون الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الشجاعة والصدع بالحق ومواجهة الموروثات الفاسدة: الداعية الصادق لا يداهن المجتمع في ثوابت التوحيد، بل يواجه الانحرافات العقدية بالبرهان الشجاع دون خوف من سطوة الأهل أو المجتمع.